fbpx
ملف الصباح

ليل البوادي… شواء وشيخات و”شراب”

الأعراس والمواسم سمر الفلاح من نهاية الحصاد إلى “دار” الحرث

لم تفقد البادية جاذبيتها وجهة مفضلة لدى كثير من المغاربة، الذين لم تغرهم الشواطئ. ورغم الارتفاع الكبير لدرجات الحرارة، مازالت العودة إلى الدوار تشكل الموعد المنتظر للكبار قبل الصغار، خاصة إذا كان هناك في الأفق عرس أوموسم للتبوريدة.
وعكس سكان المدن الذين ينخرطون في شبه هجرة جماعية نحو الشواطئ، لا يترك أهل البوادي قراهم في الصيف، إذ لا يكاد الحصاد ينتهي ببناء  “نوادر” التبن وتغطيتها بالتراب أو البلاستيك استعدادا لموسم المطر، حتى يدخل الفلاحون في سباق مع الزمن، لكل دوار أجندة أعراسه، ولكل منطقة لائحة مواسم تبوريدة في محيط أوليائها الصالحين.
لا مجال في صيف البوادي للمثل القائل بأن “الجودة توزع على أيام السنة”، وليس هناك ما يمنع من صرف نصف ثمن المحصول على زواج الابن أو البنت، أو على مصاريف “العود ولوثاق”  في رحلة التبوريدة، التي تشمل مؤونة الفرس والفارس أسبوعا أو أكثر، وثمن كراء الشاحنة التي تنقلهما معا بالإضافة إلى الخيمة الكبيرة وخيمة الطباخة ومعداتها.
لا يكون الأكل في المواسم عاديا كما في الأيام العادية، فـ “أيام الخبز طويلة” على حد تعبير عبد الحق ابن منطقة أولاد احريز، الذي لا يضره في شيء أن يأكل حصانه ربع المحصول من الشعير و من لفافات التبن وأن يصرف عليه في جولة التبوريدة ربعا آخر، مشددا على أن من أهم مستلزمات “الركوب” إكرام ضيوف الفارس، إذ لا يمكن أن تمر ليلة من الموسم في غياب “الشينات الثلاثة”، التي يصر على تفسيرها بكلمات تتخللها ابتسامة عريضة ” هي الشيخات والشوا والشراب”.
وفي الموسم كما في الأعراس، لا يمنع النساء والصغار من الحق في السمر،  إذ يسمح للنساء، باستراق النظر إلى الشيخات، على أن تستمر العملية طيلة ساعات الليل، إذ سرعان ما تعود النساء إلى المطابخ مع اقتراب موعد العشاء، ويكثر الغرباء في “الخزانة”، ولا يبقى بعد ذلك إلا الرجال والشيخات.
ولا تقل جاذبية أعراس البادية عن مواسمها، ذلك أن أيام الاحتفال بالزواج لا يمكن أن تحصر في يوم أو يومين، وكرم صاحب المناسبة يقاس بعدد الأيام التي نصبت فيها خيامه، منذ أن تبدأ التحضيرات بما يسمى “الكسوة”،  إذ تحرص أم العريس على أن تصطحب معها أم العروس وخالاتها وعماتها إلى المدينة لاقتناء الملابس والمجوهرات والعطور ولوازم بيت العروس، والتباهي باقتناء أحسن الاثواب لإعداد قفطان ليلة الزفاف وخياطته، وكذا انتقاء مجوهراتها الفريدة، لتبدو في ليلة الزفاف في أبهى صورة زينة وملبسا.
وفي الوقت الذي لا يسمح فيه للغرباء بالحضور إلا ليلة الدخلة، التي عادت ما تكون السبت، لا يبرح المقربون وأهل الدوار المكان منذ نصب “العلام” وبناء الخيمة، عمل بالنهار وسمر في الليل، استعدادا  ليوم “الدفوع”، الذي يكون عادة زوال الخميس، ثم ليلة الحناء بعد ذلك بيوم أو يومين.       
وتستمر الاحتفالات 24 ساعة بعد الدخلة إذ يقوم أقارب العروس في اليوم الموالي بزيارة ابنتهم في بيت الزوجية حاملين للعروسين (فطور الصباح). وبدوره يقوم الزوج بدعوة عائلة العروس لتناول وجبة الغداء في اليوم نفسه تعبيرا عن سعادته بزيادة عضو في العائلة وبداية حياة جديدة.
وبعد مرور أسبوع كامل على احتضان عش الزوجية للعروسين، يقيمان أمسية على شرف المقربين تسمى “الحزام” يتم خلالها شد حزام العروس التي تتولى طبخ أول وجبة أكل في حياتها الزوجية رمزا بذلك لأنها قد حزمت أمرها واستعدت لوضعها الجديد.
ياسين قُطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى