fbpx
خاص

بنكيران يغرق المغاربة بـ 200 مليار درهم

“ماكينزي”: المغرب الأكثر مديونية بإفريقيا

أثارت المديونية العمومية وما تزال نقاشا حادا بين الحكومة والمعارضة، ففي الوقت الذي تعتبر الحكومة أن مستوى المديونية لا يمثل خطرا، في الوضع الحالي، الذي يمكن التحكم فيه، كما أنها تمثل مؤشرا على ثقة الأوساط الدولية في المغرب وفي قدرته على الالتزام بتعهداته، ترى المعارضة أن الحكومة الحالية أفرطت في اللجوء إلى الاقتراض، ما سيرهن مستقبل الأجيال المقبلة.
مما لا شك فيه أن كل الدول تلجأ إلى الاقتراض من أجل تمويل مخططاتها التنموية وبرامجها الاستثمارية، لكن الإشكال لا يتعلق بالمديونية في حد ذاتها أو بنسبتها للناتج الداخلي الإجمالي، إذ أن مديونية اليابان تمثل 200 في المائة من ناتجها الداخلي، كما تناهز نسبتها 100 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي لفرنسا، ورغم ذلك فإن اقتصاد البلدين يعتبر من ضمن أقوى سبعة اقتصادات في العالم. المشكل الحقيق يكمن في كيفية توظيف القروض المحصل عليها وسياسة تدبير المديونية. وفي هذا الإطار تكمن مخاطر المديونية بالمغرب، إذ أن الحكومة أصبحت تقترض من أجل تمويل نفقات التسيير، ما يجعل المغرب يغوص في رمال المديونية المتحركة.

إنجاز: عبد الواحد كنفاوي

20 % من موارد الميزانية

توقعت الحكومة أن تصل نفقات الدين المتعلقة بالرأسمال والفوائد والعمولات، خلال السنة الجارية، إلى 68 مليار درهم، مقابل 57.3 مليار درهم في السنة الماضية، ما يمثل زيادة بنسبة 18.67 في المائة. وتستنزف تكاليف المديونية أزيد من 20 في المائة من الموارد الإجمالية للميزانية العامة، ما جعل خبراء اقتصاديين يحذرون من الوضعية المقلقة لمستوى المديونية الذي وصل إليه المغرب.
ولم يخف محمد بوسعيد، وزير الاقتصاد والمالية تخوفه من ارتفاع مستوى المديونية عندما اعتبر في ندوة صحافية أنه يتعين تقليص عجز الميزانية من أجل التحكم في مستوى المديونية، التي لا يمكن أن تعرف انخفاضا إلا في أفق 2016.
ويصل إجمالي مديونية للخزينة إلى 548.2 مليار درهم، تتوزع بين المديونية الداخلية، التي ارتفعت إلى 443.2 مليار درهم، والمديونية الخارجية التي ناهزت، مع متم 2014، 141 مليار درهم. وتمثل المديونية الإجمالية للخزينة 63.2 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي واعتبر وزير الاقتصاد والمالية أن مستوى المديونية ما يزال في حدود المقبول، مضيفا أنه يتعين بذل مجهودات من أجل الحد من ارتفاع المديونية في المستقبل، وذلك من خلال ضبط عجز الميزانية، الذي يدفع إلى الاقتراض من أجل تغطيته. ويشير التقرير السنوي الأخير لبنك المغرب أن جاري الدين العمومي وصل إلى 721 مليار درهم.

قروض بـ 200 مليار درهم  

انتقل جاري الدين العمومي، حسب معطيات بنك المغرب، من 520.5 مليار درهم، خلال 2011، قبيل تعيين الحكومة الحالية، إلى 721 مليار درهم مع نهاية السنة الماضية، ما يعني أن حكومة بنكيران اقترضت، خلال ولايتها، ما مجموعه 200 مليار و500 مليون درهم. وساهم بذلك في إثقال كاهل الأسر بالقروض العمومية، إذ سيكون على كل أسرة تحمل حوالي 29 ألف درهم من القروض، التي سيتعين عليها أداؤها، من خلال الضرائب التي تؤديها إلى الدولة.
 وهكذا يحطم بنكيران الرقم القياسي في الاقتراض الذي لم تتمكن أي حكومة من تحطيمه، إذ وصل متوسط المديونية السنوية، خلال ثلاث سنوات الأخيرة، حوالي 66 مليار درهم. ويتجاوز هذا المتوسط حجم الاستثمار العمومي المبرمج في الميزانية، ما يعني أن جزءا من القروض يوظف في تغطية نفقات التسيير وتمويل عجز الميزانية، ما يعتبر توجها غير سليم ومخالفا للقواعد المتحكمة في المالية العمومية، إذ أن القروض يتعين أن توظف في الاستثمار، وتجاوزا يمكن توظيفها لاستبدال قروض مرتفعة التكلفة بقروض أقل تكلفة، ما يعتبر، في حد ذاته، استثمارا.
وتضع الحكومة نفسها منافسا للقطاع الخاص عندما تفرط في اللجوء إلى المديونية الداخلية، التي تمثل أزيد من 76 في المائة من إجمالي ديون الخزينة، إذ أن البنوك تفضل الاستثمار في سندات الخزينة بدل إقراض مقاولات القطاع الخاص، وذلك بالنظر إلى أن المخاطر تكون منعدمة حينما تقدم المؤسسات البنكية قروضا لخزينة الدولة، خلافا لمقاولات القطاع الخاص. وهكذا تصبح المقاولات غير قادرة على تمويل برامجها الاستثمارية، ما ينعكس على مناصب الشغل المحدثة.
واشـــــــــــار بنك المغــــــرب، فــــــــــي هـــــــذا الصدد، إلى أن العــــــــــــدد الصافــــــــــي لمنــــــــــــاصب الشغــــــــــــــل المحدثـــــــــة، خــلال السنــــة الماضيــــــة، لم يتجاوز 21 ألــف منصب، مـا يمثل المستــوى الأضعف منذ 14 سنة.
بالموزاة مع ذلك، فإن ارتفاع تحملات الدين في الميزانية يجعل موارد هامة تخصص لأداء القروض على حساب نفقات الاستثمار، خاصة في القطاعات ذات البعد الاجتماعي.

اقتراض لتمويل نفقات التسيير

يعاب على الحكومة أنها تقترض من أجل تمويل عجز الميزانية، كما جاء ذلك في تقرير أنجزه المجلس الأعلى للحسابات حول تدبير المديونية العمومية، إذ أكد أن مبالغ القروض الداخلية المدرجة في قانون المالية تستثني قروضا أخرى يمكن أن تخصص لتمويل عجز الميزانية ولا توظف لتلبية حاجيات الخزينة. ويتعلق الأمر بالقروض قصيرة الأمد، أي لا تتعدى مدة استردادها سنتين، التي لا تظهر في قانون المالية.
و لاحظ التقرير أن قانون المالية يعد الإطار الوحيد الذي يحدد المبالغ التي يتعين اقتراضها، غير أن الحدود المسجلة في قانون المالية لا تهم سوى القروض الخارجية على مستوى السحوبات المراد إنجازها، خلال السنة المعنية بقانون المالية، في حين أن الترخيص البرلماني، بالنسبة إلى القروض الداخلية، لا يصاغ بكيفية حصرية، إذ يقرر مبلغا تقديريا، غالبا ما يتم تجاوزه بالنظر إلى المبالغ المكتتبة في السوق الداخلية.
كما أن مبالغ القروض الداخلية المسجلة في قانون المالية لا تهم إلا القروض المتوسطة أو بعيدة المدى، أي لمدد تعادل أو تتجاوز 5 سنوات.
وأشار التقرير إلى الأهمية الخاصة التي أصبحت تكتسيها هذه القروض، بالنظر إلى اللجوء المكثف لها خلال السنوات الأخيرة.
واعتبر تقرير المجلس الأعلى للحسابات أن هذه الوضعية يمكن أن تدفع مدبري الدين العمومي إلى تفضيل القروض ذات الأمد القصير، ما من شأنه أن يرفع مخاطر إعادة التمويل، مضيفا أن التأطير الحالي للمديونية لا يمكن من الاحتياط بشكل كاف من حدوث وضعيات قد تكون غير محتملة، إذ يشكو النظام الحالي من غياب تأطير على مستوى أعلى ومستقل عن مدبري الدين.

تضارب في الأرقام

يجد المتتبع نفسه أمام أرقام متضاربة حول النسبة التي تمثلها المديونية العمومية بالمقارنة مع الناتج الداخلي الإجمالي، فالمندوبية السامية للتخطيط تتحدث عن نسبة تتجاوز 81 في المائة، في حين أكد بنك المغرب في تقريره الأخير أن النسبة تصل إلى 78 في المائة، في الوقت الذي تؤكد وزارة الاقتصاد والمالية عن نسبة في حدود 63.2 في المائة، ما يطرح تساؤلات حول مصداقية الأرقام المقدمة.
في الحقيقة كل هذه الأرقام تعكس جانبا من وضعية المديونية، لكن الجهات المصدرة لهذه المعطيات الإحصائية لا تتحدث عن الشيء نفسه، إذ أن النسبة المقدمة من قبل وزارة الاقتصاد والمالية تهم مديونية الخزينة الخارجية والداخلية فقط، في حين أن نسبة بنك المغرب تتعلق بجاري الدين العمومي، أما المندوبية السامية للتخطيط فتتعلق بمفهومها الشامل، أي تأخذ بعين الاعتبار، أيضا، الدين المضمون من قبل الدولة على المستويين الداخلي والخارجي.

المغرب في الرتبة 29 من أصل 47

صنف تقرير صادر عن المكتب الدولي للدراسات “ماكينزي”، خلال السنة الجارية، المغرب من أكثر البلدان الإفريقية مديونية، محتلا الرتبة 29، من أصل 47 بلدا، وذلك بمعدل مديونية يصل إلى 136 % من الناتج الداخلي الإجمالي، ما يمثل زيادة بـ 20 نقطة مائوية بالمقارنة مع السنة السابقة. ويتعلق الأمر بالمديونية العامة، أي بالأخذ بعين الاعتبار مديونية المؤسسات العمومية والجماعات المحلية، إذ أن الدولة تضمن هذه المؤسسات من أجل اللجوء إلى الأسواق المالية الدولية.
وأرجع المكتب الارتفاع الملحوظ للمديونية العمومية بالمغرب إلى السياسة التي نهجتها الحكومة السابقة، خاصة الإجراءات التي اتخذتها حكومات عباس الفاسي في إطار الحوار الاجتماعي، إذ تقرر، خلاله الزيادة في الأجور والترقية الاستثنائية، ما ساهم في رفع الكتلة الأجرية.
ولجأت الحكومة الحالية بإفراط شديد إلى الأسواق المالية من أجل تغطية التكاليف الإضافية بفعل الأزمة المالية وركود الطلب الخارجي، إذ أن عجز الميزانية تجاوز، خلال السنة الأخيرة من ولاية حكومة الفاسي 7 % وتدهورت التوازنات المالية الخارجية للمغرب بشكل ملحوظ، خاصة ما يتعلق بعجز الميزان التجاري وعجز ميزان الأداءات.
وفي غياب موارد مالية وحلول بديلة، لجأت الحكومة الحالية إلى السوق المالي الدولي من أجل توفير الموارد المالية اللازمة لاستعادة التوازنات، وساهم خط التمويل الاحتياطي الذي فتحه صندوق النقد الدولي للمغرب في تسهيل المهمة على حكومة عبد الإله بنكيران من أجل الاقتراض الخارجي. وسجلت المديونية بالمغرب ارتفاعا بنسبة 8 في المائة.
وواصلت الحكومة سياسة الاقتراض الخارجي، إذ أن 24 مليارا و 350 مليون درهم من موارد الميزانية سيتم توفيرها عبر اللجوء إلى الأسواق المالية الدولية، وستصل نفقـــات الدين المتعلقة بالرأسمال والفــوائد والعمولات إلى 68 مليار درهم، خلال السنـــة الجارية، مقابل 57.3 مليار درهم في السنـــة الماضية، ما يمثل زيادة بنسبة 18.67 في المائة.

مؤسسات تقترض والدولة تضمن    

أشـــارت معطيات المديـــرية إلـــى أن المـــؤسسات العمومية اقترضت قروضا من السوق المالية الخارجية بقيمة إجمالية ناهزت 34 مليارا و900 مليون درهم، وأدت، خلال السنة ذاتها، 3.1 ملايير درهم من أقساط القروض وفوائدها التي في ذمتها، وهكذا ارتفعت مديونيتها، خلال سنة، بقيمة صافية تناهز 31 مليارا و800 مليون درهم، ما جعل إجمالي القروض التي في ذمتها يصل، في مجمله، إلى 135 مليارا و750 مليون درهم، ما يمثل حوالي 49 % (48.9 %) من إجمالي المديونية الخارجية.
ووصلت ديون المؤسسات والشركات العمومية في مجملها، حسب تقرير وزارة الاقتصاد والمالية المصاحب لقانون المالية للسنة الجارية، إلى 104.7 ملايير درهم، ما يمثل 44.7 في المائة من حجم الدين الخارجي العمومي.
ويـــــــــــــــــأتي المكتب الوطنــــي للكهربـــــــــــــــــاء والماء الصالح للشرب في قائمة المقتـــــــــرضين، متبوعا بالطرق السيــــــــــــــــارة للمغـــرب، والمكتـــــــــــب الوطنــــــــــــــــــي للسكك الحديــــــــــديــــــــة والمجمــــــــــــــــــــــــع الشريف للفوسفاط.
بالموازاة مع ذلك، فإن الجماعات المحليــة، بــدورها، أصبحت تلجأ إلى الســوق الخارجي للحصول علـى التمويلات، علـــى غـــرار مجلس مدينـــة الـــدار البيضاء، الـــذي حصل، أخيرا، على قـــرض من البنك الدولي بقيمــة تصل إلى ملياري درهم.

حدد المختصون في المــالية العمومية مجموعــة من القواعد التي يتعين الالتزام بها من أجل ضمان تدبير ناجع وفعال لمالية الدولة.

 

القاعدة الذهبية

ومن أبرز هذه القــواعــد القاعــدة الــذهبيـــة التي تنص على ألا تتجـــاوز قيمـــــــة القـــروض النفقــــــات المخصصة للاستثمار في الميــــزانيـــة، وذلك لضمان القـــدرة على السداد وتفــــادي التأثيرات السلبية لتحمــلات المديـــونية علـــى الميزانية، إذ من خلال توظيف القروض في الاستثمارات، فإن المــــردوديــة المرتقبة للمشاريع المنجزة ستغطي تحملات الدين ولن تكون للمديونية انعكاسات على الميزانية.
لكن الحكومات المتعاقبة، بما فيها الحكومة الحالية، لم تحترم هذه القاعدة، إذ غالبا ما تتجاوز القيمة الإجمالية للقروض المبرمجة في الميزانية نفقات الاستثمار.
وجاء القانون التنظيمي للمالية من أجل ضبط هذه التجاوزات، إذ لأول مرة في تاريخ المغرب يتم إلــزام الحكومة باحترام هــذه القاعـــدة، من خلال المادة 20 منه، التي تشيــر إلــى أنه للحفــاظ علـى توازنات المالية لا يمكن أن تتجاوز حصيلة الاقتراضات مجموع نفقات الاستثمار وسداد أصول الدين برسم السنة المالية.
وهكذا ستكون الحكومة ملزمة، بمقتضى القانون التنظيمي للمالية، بتحديد قيمة القروض الجديدة، خلال السنة المقبلة، بناء على حجم الاستثمارات ونفقات خدمة وأصل الدين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى