بانوراما

دم مغربي في الجولان5

جحيم في السماء والأرض

مرت أزيد من 42 سنة على مشاركة القوات المغربية في حرب الجولان في أكتوبر/ رمضان عام 1973 إلى جانب القوات السورية. ما يعاب عن هذه المشاركة هو شح المعلومات وتضاربها حول الظروف والمعارك التي خاضتها القوات المغربية ضد الجيش الإسرائيلي، اللهم النزر القليل منها، التي عجز بعضها عن عد عدد قبور الشهداء المغاربة بسوريا.
تسعى هذه السلسلة إلى محاولة إعادة كتابة تاريخ تلك المشاركة البطولية للمغاربة من وجهة نظر شاهد عيان، صحيح أنه كان جنديا بسيطا وقتها، لكن شهادته، أمام صمت الضباط، ورحيل العديد منهم إلى دار البقاء، تجعلها قيمة، فالجنود البسطاء هم حطب المعارك.

في صباح 6 أكتوبر 1973، عشنا حالة استنفار كبيرة، إيذانا بانطلاق المواجهة. كانت الخطة، التي شارك في وضعها القادة المغاربة، على رأسهم الجنرال الصفريوي والشهيد العقيد العلام، الذي كان قائدا لفرقة الدبابات المغربية، أن تهاجم فرقة “كومندو” سوري، قاعدة عسكرية بجبل الشيخ، لأهميته، بحكم أن الإسرائيليين كانوا يراقبون كل التحركات داخل العاصمة دمشق، مستعينين بأجهزة متطورة وردارات كبيرة، على أن نتولى نحن الانتشار في سفوح الجبل، والهجوم على قواعد عسكرية إسرائيلية بها.
بدأنا بالتحرك ببطء نحو خط التماس مع العدو الإسرائيلي، تتقدمنا فرقة من الدبابات مغربية من نوع “تي 55″، تحت قيادة الشهيد العقيد العلام، الذي كان على إحداها. بلغنا خط التماس مع العدو، وأخذ كل منا موقعه، في انتظار أمر الهجوم.
 في حدود الساعة الثانية زوالا، بدأت الحرب. حلقت فوقنا طائرات سورية من نوع “ميغ 17 و ميغ 21 وميغ 27 “، بشكل منخفض. شنت غارات متتالية على القواعد العسكرية الإسرائيلية، بجبل الشيخ والهضاب المجاورة له. تعرضت قواعد الإسرائيليين لقصف مكثف، لكنها نجحت في الصمود، لأنها بنيت شكل متين من الإسمنت المسلح، بعدها بدقائق، حلقت طائرات “الفانتوم” الإسرائيلية للتصدي للطائرات السورية، بعد أن أدرك الإسرائيليون متأخرين أن سوريا ومصر اتفقتا على الهجوم في وقت واحد.
تحولت السماء إلى جحيم. معارك ضارية بين الطائرات السورية والإسرائيلية، أما نحن فكنا ما زلنا في مواقعنا ننتظر الأمر بالهجوم، ونتابع في الوقت نفسه تلك المعاركة الجوية. ما زلت أتذكر متابعتي لمواجهة بين طائرة “ميغ 27 ” سورية و”الفانتوم”، تبادلتا خلالها أدوار المطاردة والفرار. كان من عيوب “الفانتوم” أنها تحتاج إلى مساحة كبيرة للالتفاف، عكس طائرة “الميغ 27″، ما جعل الأخيرة تحسم المواجهة لصالحها، إذ تابعت كيف نجح الطيار السوري في التحليق خلف طائرة عدوه، بعد مناورة بارعة، وأسقطها بصاروخ، وأسر طيارها من قبل جنود سوريين.
بعدها صدرت الأوامر بالهجوم، انطلقنا، ونحن نهلل ونكبر، ونتسابق لصعود سفوح جبل الشيخ، حيث توجد قاعدة عسكرية إسرائيلية، لتواجهنا بنيران كثيفة من رشاشات وقذائف الهاون والمدفعية.
وجدنا صعوبة كبيرة في صعود القمة، وكنا نتفادى النظر إلى الخلف، حتى لا تحبط عزيمتنا وحماسنا، في حال معاينتنا لسقوط الشهداء أو جرحى. قاتلنا بشراسة كبيرة، رغم صعوبة المهمة، بحكم أن القاعدة العسكرية المستهدفة، كانت في القمة، ونحن نكابد، رغم كثافة النيران، الصعود والاقتراب منها، وهو ما تحقق بعد ثلاث ساعات من المعركة، أي في حدود الساعة الخامسة، كنت رفقة زملائي على بعد مائة متر منها.
كنت أحمل قذيفة “أر بي جي”، مهمتي تدمير بعض غرف القاعدة العسكرية التي بها الرشاشات الكبيرة ودبابات العدو إذا حاولت صد الهجوم.
نجحنا في محاصرة الإسرائيليين. كنا نطلق عليهم النار بشراسة من أجل هدم قاعدتهم لكن دون جدوى، بحكم بنائها المحكم. هنا أتذكر موقفا بطوليا لأحد رفاقي المغاربة، الذي تسلل إلى القاعدة، وحاول إسقاط العلم الإسرائيلي، ووضع المغربي بدله، إذ بمجرد أن شرع في تسلق العمود، أطلق عليه الإسرائيليون نيران كثيفة، فاستشهد أمام أعيننا.
موقف هذا الجندي البطل زادنا عزيمة وإصرار، لدرجة أنني تمكنت من الاقتراب من (الفوهة) التي كان يطلق منها إسرائيلي سلاحه الرشاش من الحجم الكبير، والتي شكلت أكبر عرقلة لتقدمنا. أخذت موقعا متميزا، وطلبت من رفيقي شحن القذيفة من أجل إطلاقها، ليأمرني ضابط صف كان رفقتي أن اتخذ موقعا أفضل أسفل صخرة بالجوار، حتى أتوفق في التسديد. انتقلت إلى موقعي الجديد، ورددت “باسم الله، عليك توكلت ياالله”.في اللحظة التي حاولت إطلاق القذيفة، منعني ضابط الصف برتبة رقيب، وخاطبي بنبرة حماسية “أنا أللي غادي نتيري فمهم”.
مصطفى لطفي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق