بانوراما

الضرورات تبيح المحظورات 2

الضرورة بقدرها والإباحة مقيدة بحالة الاضطرار

ساهم انتشار القنوات الفضائية الإسلامية واختلاط المغاربة بعدد من مواطني البلدان الإسلامية الأخرى في بروز سلوكات وممارسات للشريعة الإسلامية لم تكن معهودة في المغرب، كما برزت مجموعة من الفتاوى الشاذة عن المغاربة. سنحاول من خلال حلقات ستنشر طيلة رمضان، وضع هذه الممارسات في ميزان الشرع مع الأستاذ لحسن بن إبراهيم السكنفل، رئيس المجلس العلمي لعمالة الصخيرات تمارة.

تحدثنا في الحلقة السابقة عن المفهوم الشرعي لقاعدة الضرورات تبيح المحظورات، والأهداف التي كانت من وراء إقرار هذه القاعدة. وتمت الإشارة إلى أنها من القواعد الفقهية التي اعتمدها فقهاء الشريعة لاستنباط الأحكام من الأدلة التفضيلية للشريعة الإسلامية. وسنتطرق في هذه الحلقة إلى شروط تطبيق هذه القاعدة
< ما هي الشروط التي حددها الفقهاء لاستخدام هذه القاعدة؟
< يكون تناول الحرام في حالة الضرورة بالقدر الذي يزيل ذلك الضرر المحتمل، فإذا زال الضرر، فإن الأمر يعود إلى أصله وهو التحريم. وهذا ما يعبر عنه الفقهاء بقوله: “الضرورة بقدرها”.
فالإباحة هنا مقيدة بحالة الاضطرار، مثلا : شرب الخمر حرام بنص القرآن والسنة وبإجماع الأمة، فإذا حدث ونزل أن أصيب الإنسان بغصة أثناء الطعام في مكان لا يوجد به في تلك اللحظة إلا كأس خمر، جاز له الشرب منه بالقدر الذي يزيل الغصة، فإذا زالت الغصة برشفة حرم عليه تناوله، وإن لم تزل إلا برشفتين أو أكثر جاز له الاستمرار في الشرب حتى تزول الغصة.
< وماهي العلة في جواز فعل هذا المحرم؟
< العلة في جواز شرب الخمر في هذه الحالة هو تعارض أمرين أحدهما ضروري والآخر حاجي، فأعطيت الأولوية للضروري (الذي هو ضمان حياة هذا الإنسان المسلم) على حساب الحاجي (الذي هو الالتزام بحكم الشرع في شرب الخمر وهو التحريم).
والأمر نفسه بالنسبة إلى أكل الخنزير فهو محرم لا يحل أكله وكذلك بالنسبة إلى الشاة التي ماتت بسبب مرض أو ماتت متردية من عل أو منطوحة من أخرى فالأصل في أكلها التحريم، ولكن إذا عرضت الضرورة جاز الأكل بالقدر الذي يزيل الضرر.
كما يرفع التكليف بالإكراه، فمن أكره على فعل محرم فلا إثم عليه لأنه فعله مضطرا تحت الإكراه قال تعالى :(مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) النحل 16.
ومن أكرهت على البغاء فهي غير آثمة قال تعالى : (وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
فقد كان العرب في جاهليتهم يكرهون إماءهم على ممارسة البغاء ليجنوا من وراء ذلك الفعل الشنيع الحاط من كرامة المرأة مالا (عرض الحياة الدنيا) ويقرر الحق أن هؤلاء المكرهات على فعل ذلك لا إثم عليهن. إذن فالضرورات تبيح المحظورات، وكل ضرورة تقدر بقدرها. والله أعلى وأعلم.
عبد الواحد كنفاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق