fbpx
بانوراما

أوراق من وحي رمضان 8

ركز الباحث حميد لشهب، السيكولوجي والباحث في الفلسفة، في أعماله على محاولة فهم الإسلام بطريقة مغايرة للتقليد الرجعي المحافظ وللأصولية المتطرفة، مقدما قراءات جديدة في إطار مشروع لم يكتمل بعد. ويهدف الدكتور لشهب، المقيم في النمسا، وعضو بالمجلس البلدي لمدينة فيلدكرخ، باسم حزب الخضر، من خلال دراساته السيكولوجية للإسلام، إلى الرقي بالدين إلى ماهيته الوجودية الجوهرية، كفلسفة حياة مؤسسة على الحب، بعيدة عن الفهم المتخلف للإسلام، الذي يختزل هذا الدين العظيم في الحرام والحلال. لشهب استجاب لطلب “الصباح” بالمساهمة بنصوص من وحي رمضان، تعتبر عصارة بعض أبحاثه في مقاربة القضايا الإسلامية من زوايا فلسفية وسيكولوجية.
إعداد: برحو بوزياني

الصوم وعيا بالحياة “هاهنا”

د. حميد لشهب (النمسا)

خصص القديس أغسطين الجزء السابع من أعماله الكاملة لموضوع الصوم. يستهل نصه بالتأكيد بأن الصوم يهم البشر فوق الأرض وليس الملائكة. فهؤلاء الأخيرين يقتاتون في السماء، حيث لا يحتاجون لأي معاناة ولا جهد، لأن كل شيء متوفر فيها. وقوتهم هو الله نفسه، وبالضبط حبه. وهو قوت وغذاء لن ينبض أبدا. في حين أن البشر يقتاتون من الأرض، وقوتهم مرهون بها ومعرض للانتهاء مهما طال الزمن. وبما أن الأمر هكذا، فإن أنجع وسيلة ليذوق الإنسان من غذاء السماء، في نظره، هو تجربة الصوم. ويعتبر هذا الأخير في عرفه وسيطا بين الأرض والسماء، أي بين البشر والملائكة. هدف الصيام في نظره هو ترويض الجسم وإخضاع النفس للتخلص من شهواتها، حبا في الله ورجاء لجزائه. هناك إذن في معتقده حرب ضارية بين الجسم والروح، ومهمة الإنسان هي العمل على الصلح بينهما، ليتم زواجهما.
الصوم في نظره هو سفر يقوم به الصائم، وهو سفر ليس ككل الأسفار: ينطلق من الجسم وينتهي في الله. بين نقطة البداية ونقطة النهاية يلتقي الإنسان بكل ضروب المعاناة مع الجسد، الذي يجب تطويعه. والتطويع لا يعني في نظره التعذيب، بل هو من نوع التطويع، كالذي نقوم به، عندما ننخرط في تربية أبنائنا. فعلى الرغم من حبنا لهم، نحاول تطويعهم (تربيتهم)، ليصبحوا أقوياء في الحياة، ولا يتقوقعون على ذواتهم ويسبحون في نرجسايتهم.
إن اهتمامنا بنص أغسطين هذا، لا يدخل في إطار الترف الفكري أو حب الاستطلاع الثقافي، بل لمحاولة فهم فلسفة الحياة التي تؤسس الصوم في الإسلام. الكثير مما قاله تردده ببغوات فقهاء الحلال والحرام وتقديم الرجل اليمنى على اليسرى إلخ عندنا، لكن المرء لا يتحمل عناء الذهاب إلى ما وراء ظواهر الأشياء في دينه، بل يكتفي باجترار ما ورثه عن الأسلاف.
فلسفة الصوم في الإسلام ليست هي قهرا للجسد ولا تعارك مع النفس والروح، بل تجاوز الاثنين للوصول إلى نواة الطبيعة الإنسانية القابعة فينا. إذا كان الإنسان يصوم خوفا من الله، فليكف عن الصوم، لأن صيامه لم يوصله بعد إلى المستوى المتوخى، ألا وهو حب الله. الخوف ليس هو الحب، إنهما ينتميان لطبيعتين مختلفتين في جوهرهما. يحدث الخوف تحت التهديد، بينما يقوم الحب على الاختيار بعد القرار. إن فلسفة الصوم في الإسلام هي فلسفة حب سام، للبشر وللعالم وللحياة. حب الدنيا جزء لا يتجزء من حب الله، لأنها من خلقه. إذا فُهم الصوم، كزهد في الحياة، بل رفض لها كما نشاهد ذلك يوميا عند المتطرفين، وسافكي دماء المسلمين، فإننا لم نفهم بعد بأن طريق الصوم لم يوصلنا بعد إلى فهمه في بعده العميق. وحب الدنيا لا يعني الالتصاق الأعمى بها ورفض الموت، الذي يعتبر بوابة حياة أخرى، والانغماس في ملذات لاشعورنا، بل هو وعي كنهها والهدف منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى