fbpx
خاص

الخليع … وجبة فاسية محفوظة الأصل

يشكل الخليع طبقا تستحبه الأسر الفاسية لتأثيث موائدها في رمضان الكريم، خاصة في وجبة الفطور.

ويشكل و»الحريرة» طبقين رئيسيين لا محيد عنهما، كما تقتضي ذلك عادات وتقاليد أهل فاس الذين يتحاشون تناوله في السحور، لدوافع صحية.
ولعل ما يزكي أهمية الوجبة ما نقله ابن خلدون في وصفه تقاليد أهل فاس وعلامات الحزن والكآبة البادية على وجوههم في سعيهم الحثيث لجمع قوتهم أو إعداد هذه المادة الوارد ذكرها ميزة في المدينة، في عدة كتابات تناولت عادات السكان منذ غابر العصور.
ويقبل أهل فاس الفقير منهم والغني، على «طاجين عوينات» أو الخليع المعد بالبيض، ذي الشهرة الواسعة، في رمضان وغيره، حفاظا على عادة متوارثة بمطابخ الفاسيين، رغم اجتياحها بأكلات عصرية ومعاصرة، لجودتها الغذائية العالية.
ولا يحتاج إعداد هذا «الطاجين» إلى عناء أو جهد مضاعف في تتبع ودقة الوصفة، إذ تفتت قطع اللحم المخزن وتوضع في مقلاة على نار هادئة، قبل إضافة البيض إليها حسب الحاجة والرغبة، وطهوها بشكل يحافظ على أصفر البيض بارزا على شكل عين.
ويستعمل الخليع في إعداد «الرغايف» و»الملاوي» التي يكثر الإقبال عليها في فطور رمضان. وتحشى «الرغايف» بالخليع أثناء إعدادها الذي قد يكون باستعمال «أكريش» الذي يعتبر من بقايا إنتاج الخليع، أو «الشحمة» الممزوجة بالبصل والفلفل الأحمر.
أما «الملاوي» فتعجن بالزيت وتحشى بالخليع الذي ينتج ويترك مخزونا أو «عولة» لباقي الأيام والأعياد وإكرام الضيف، قبل وضعها بالمقلاة، لتؤثث بها وبغيرها من «الشهيوات»، موائد الإفطار المقتبسة من عراقة المدينة وأهلها وبراعتهم في الطبخ التقليدي.
ودأب الفاسيون على تداول حكم خاصة بهذه الأكلة، إلى درجة قولهم بأن «الدار اللي ما فيها خليع جيعانة»، لذلك فهم يعدون العدة منها من اللحم المقدد للبقرة أو العجل، الذي يجفف بكيفية احترافية تحت أشعة الشمس الحارقة في سطوح المنازل العتيقة.
يطلى اللحم بالزيت أثناء تجفيفه حفاظا على جودته وتلافيا لاجتياحه من قبل الذباب أو الحشرات، كي يكون صالحا لإعداد الأكلة بمزجه بالشحم والزيت والثوم والملح والكامون، ومواد أخرى أساسية لإعداده.
ويتذكر مروجو المادة في عدة مواقع بالمدينة العتيقة، بدءا من باب السنسلة إلى أعمق دروبها الضيقة، عادات متوارثة في إعدادها، بعضها سائر إلى زوال لأسباب مختلفة، خاصة من قبل أسر فاسية بأسماء خاصة، برعت في إنتاج الخليع و»التريد» و»البسطيلة».
هؤلاء يبدون حاليا غير راضين عن مآل هذه الأكلة وامتهان إعدادها من قبل غرباء لا دراية لهم بتقنيات ذلك، ما يغرق السوق المحلية بأنواع أقل جودة ويضرب سمعتها، متمنين تدخلا رسميا لتنظيم القطاع والضرب على أيدي كل من يتخاذل في توفير جودتها.
«أصحاب الشكارة» ممتهنو «الحرفة»، مرفوضون من قبل «ورثة» الأسر العريقة في إنتاج الخليع، الذين يطمحون إلى تنظيم أنفسهم في جمعيات أو تعاونيات لحماية حقوقهم وضبط الواجبات وتنظيم السوق، كي لا يصبح القطاع ملاذا رحبا لكل من هب ودب.
وتبقى الجودة معيارا لا يمكن التفريط فيه خاصة أمام بروز منتجين يوهمون الزبناء، باستعمال لحوم العجل أو البقرة نظرا لكلفتها المرتفعة.
ويطمح المنتجون إلى تعميم وتوسيع تسويق هذه المادة في مختلف المدن المغربية، إذ ما زال الأمر مقتصرا على مبادرات شخصية بإمكانيات ذاتية بسيطة، في انتظار تدخل رسمي لضمان انفتاح «الخليع الفاسي» على مختلف الأسواق بكل المدن وخارج أرض الوطن.
حميد الأبيض (فاس)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى