fbpx
ربورتاج

الباب 4 بميناء البيضاء… مقبرة “الرموكات”

ناقلون فروا بجلودهم وتركوا شاحناتهم عرضة للضياع بسبب الأزمة والمهنيون ينسخون المطالب المعطلة نفسها

أشبه بمدينة صغيرة من المتلاشيات والشاحنات والرافعات الصغيرة المتوقفة، أو الواقفة، أو المهجورة، والمتخلى عنها.. تبدو الساحة الخلفية لشارع الجيش الملكي المطلة على ميناء الدار البيضاء، حتى يخيل إليك أنك وسط سوق مركزي لـ”الخردة”، أو مقبرة للحديد، حيث تشرئب “الشواهد” من بعيد. فما الذي وقع حتى يصيب الشلل والدمار قطاعا مهما من ي النشاط المينائي بالدار البيضاء؟ ولماذا يحس أصحاب شاحنات النقل المينائي أن الدولة تخلت  عنهم وتركتهم فريسة “مشروع تحرير معاق” أجهز على ما تبقى من أرزاق”.

إنجاز: يوسف الساكت – تصوير: أحمد جرفي

الحركة متوقفة هذا الصباح على طول الجدار الأمني الشائك الفاصل بين ميناء الدار البيضاء وشارع الجيش الملكي، حيث تصطف، غير بعيد عن البوابة أربعة، عشرات الرافعات الصغيرة والمتوسطة، ومثلها من شاحنات نقل البضائع بألوانها وأشكالها وحمولاتها المختلفة التي تنتظر نصف فرصة للانخراط في العمل وتدبر رزق اليوم، دون جدوى.
-“ماكاين ما يدار، القضية عيانة.. كلشي واقف على باب الله.. كنتسناو شي بريكول لا جابو الله في هاد الصباح”.
يقول السائق الشاب دون أن يرفع عينيه على نسخة من شبكة للكلمات المتقاطعة ويسند ظهره إلى باب رافعته.
بجانبه يقف زميله الذي يضع قدمه على الرافعة نفسها في كسل.
-“واش كتقبلو على شي خدمة ولا غير مصدعينا في هذا الصباح”، يحدجنا بنظرات قاسية، حاولنا تلطيفها بالتظاهر بالبحث عن صاحب رافعة بعينه.

“لي بغى يربح العام طويل”
الكل على أعصابه ومستعد للانفجار في أي لحظة ودون سبب واضح في الغالب، أما اليائسون جدا، فقد اقتعدوا الأرض في مجموعات صغيرة من أربعة أفراد، يلعبون الورق و”يعلقون” إلى بعضهم، ولسان حالهم يقول “لي بغا يربح العام طويل”.
عبد الواحد الشريدي، المسؤول في نقابة أرباب شاحنات نقل البضائع وأرباب الرافعات بالموانئ المغرب، قال “إن الحركة ميتة بزاف منذ أكثر من شهر، حتى أن عددا من أصحاب الشاحنات لم يتوصلوا بمستحقاتهم من الشركات التي يتعاملون معها، بسبب الأزمة التي يعرفها القطاع في السنوات الأخيرة”.
الشريدي كان يجلس رفقة زملائه أمام مقر النقابة (عبارة عن حاوية متخلى عنها) الواقع مباشرة تحت القنطرة الكبيرة التي تؤدي إلى البوابة أربعة من الميناء.
-“في هذا المكان نلتقي كل يوم، ونتبادل أطراف الحديث نفسه الذي تداولنا فيه بالأمس وقبل الأمس”، يتحسر عبد الواحد، قبل أن يقول “انظر إلى هذا الخراب”، ثم يشير بيده إلى عدد كبير من الشاحنات من الحجم الكبير (رومورك) المتوقفة بأعداد كبيرة تحت القنطرة، وبعضها في حالات تهالك متقدمة.
– “كاين هنا شي 360 شاحنة تقريبا، أغلبها في حالة عطالة، بل إن بعضها تخلى عنها أصحابها وذهبوا إلى حال سبيلهم، حتى دون أن يؤدوا الأقساط الشهرية للبنوك”.
 يتدخل زميله” كلشي هاد شي لي كتشوف فيه ما خدامش، قليل لي كيتحركو شي شويا في الأسبوع، بشي بريكول ولا جوج”.
الأزمة تعلو الوجوه وترسم بقعا سوداء على الملامح دون حاجة إلى كلام. قبل سنوات، كان أصحاب الشاحنات أسياد المكان، حين كانوا يتوفرون على مأذونية خاصة بالاستغلال في النقل المينائي، كما كان عدد الشاحنات قليلا والعرض أكثر من متوفر.
– “كان العيان فينا كيجيب 1500 درهم في النهار..دابا لا دخلتي معاك 150 درهم عند ولادك في العشية ما تكولها حتى الواحد”، يقول صاحب شاحنة يفترش الأرض قرب نصف كوب قهوة سوداء.
ويعزي عبد الواحد الشريدي هذا المآل إلى فوضى تحرير القطاع الذي سمح لمن هب ودب بالحصول على رخصة لمزاولة هذه المهنة، دون الحديث عن الشركات الجديدة، وبعض المعشرين الذين أصبحوا يقومون بخدمة نقل الحاويات والبضائع إضافة إلى مهنتهم الأصلية.

محطة  الشاحنات مشروع لم يكتمل

بالدار البيضاء، التي تتميز بثاني أكبر نشاط مينائي في المغرب بعد ميناء طنجة المتوسطي، مازال قائما المشكل الخاص بتوفير محطة طرقية لاستقبال شاحنات النقل الطرقي للبضائع بالموانئ في زناتة، وهو مطلب قديم التزم بتنزيله الوزير السابق دون أن يعرف طريقه إلى التنفيذ إلى حد الآن.
ويذكر أن الوكالة الوطنية للموانئ قامت بإنجاز مشروع لهذه المحطة بزناتة على مساحة 12 هكتارا لم يكتب له النجاح لاعتبارات مرتبطة بتصميم التهيئة الخاص بالمنطقة، كما تقوم حاليا بدراسة ملفي قطعتين أرضيتين توجدان قرب المنطقة اللوجيستيكية زناتة، علما أن التصميم الأولي لهذه المنطقة يخصص موقفا خاصا بالشاحنات وخدماتها (تراك سانتر).
بموازاة ذلك، تجري الجامعة المغربية للنقل الطرقي بالموانئ اتصالاتها مع السلطات الإدارية والمنتخبة بالدار البيضاء، من اجل اتخاذ الإجراءات اللازمة لتسهيل اقتناء عقارات مناسبة لإقامة هذا المشروع.
وإضافة إلى المحطة الطرقية، تبحث النقابة مع الوكالة عددا من الملفات الأخرى وتقتربان من إيجاد حلول لها، من قبيل تخصيص أماكن للوقوف والانتظار داخل الميناء وتبسيط وتسريع المساطر المتعلقة بالحصول على شارات الولوج وتسهيل ولوج الأشخاص المساعدين لمقاولات النقل من ميكانيكيين وكهربائيين وتقنيين وتشغيل جهازي الفحص المتوفرين حسب أوقات العمل في الميناء وتفعيل الإجراء الذي يسمح بالعمل ما بعد الرابعة وأيام السبت والأحد لتسهيل المأمورية على المهنيين المفروض عليهم العمل ما بين التاسعة صباحا إلى الرابعة زوالا فقط.

المراقبة الأمنية داخل الميناء…البعبع

تحولت المراقبة الأمنية الصارمة والمبالغ فيها داخل ميناء الدار البيضاء إلى الهاجس رقم واحد بالنسبة إلى أصحاب الشاحنات الذين عبروا عن تذمرهم من السلوك الجديد لرجال الأمن في رسائل إلى وزير الداخلية والمدير العام للأمن الوطني وولاية الأمن  بالمدينة.
«لا يعقل أن تقطع شاحنة عشرات الكيلومترات من أكادير إلى الدار البيضاء وتمر من جميع نقاط المراقبة بسلام، وحين تصل إلى الميناء يعاد تفتيشها من الألف إلى الياء، بل إن شاحنات تفتش وهي واقفة أو متوقفة، ما يخلق حالات من اليأس والتذمر»، يقول علال ضحوكي.
المهنيون اعتبروا، في رسالتهم إلى المسؤولين، ما يقوم به رجال الأمن من مراقبة أمنية مبالغا فيها في جميع حالات توقف الشاحنات، على عملهم وتشكيك في نزاهتهم، رغم الأدوار التي تقوم بها جامعتهم في تأطير الناقلين والتوعية بأهمية استتباب الأمن والسلامة المدنية بما يساهم في التقليص من الحوادث ويحقق السلامة ويحافظ على البيئة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى