fbpx
خاص

عمار الجندي الذي مارس السياسة في سجون بوليساريو – الحلــــــــــــــــــقة5

فنيد: بعد خمسة أيام من الإضراب عن الطعام وجدنا أمامنا 40 عسكريا يحملون عصيا وسياطا وقطعا حديدية

هناك… تبدو كلمة مغربي، مرادفا ل”عدو”، لكيان يمكن تجريده بكل قسوة من إنسانيته، من كرامته. وهي أيضا معادل لإشارة تعذيب: اضرب، احرق، اقطع، نكل…ابصق…اقتل…وهذا ما عاشه جنود مغاربة احتجزتهم جبهة بوليساريو أزيد من عشرين

سنة… هنا… تبدو كلمة إنصاف، مرادفا ل”مستحيل”، لفعل يمكن تعويمه في بحر الوعود، وإغراق جثته في بركة أكاذيب، وهي أيضا معادل لإشارة
إقصاء: “خونة”، “سير وآجي”، “إهمال”، “إحباط”…وهذا ما عاشه الأسرى المفرج عنهم من معتقلات بوليساريو بعد حوالي سبع سنوات من عودتهم إلى أرض الوطن… هذه…خلاصة
حكاية رجال قادهم سوء الطالع إلى سجون مرتزقة بوليساريو والجزائر، واختارتهم الأقدار ليفرغ فيهم الحاقدون سم هزائمهم وكراهية فشلهم وغل عجزهم عن إنجاح مؤامرة
الجزائر وربيبتها “بوليساريو”. حكاية يرويها عمار فنيد، أحد أقدم أسرى المعارك التي افتعلتها الجزائر، وقادها مرتزقة بوليساريو. يحكي عمار عن علاقة أسامة بن لادن
بجنرالات الجزائر، وعلاقة جورج حبش بالبوليساريو وياسر عرفات ووزراء دفاع إيرانيون ودانيال متران، وعن علاقات مع مافيات مواد التموين لتهريب
الأسر المحتجزة، وعن جنود مارسوا السياسة من أجل الوطن، والتعذيب وعن اغتصاب ضابط موريتاني أمام 7000 تلميذ ورمي مغاربة
يحتضرون في الخلاء حتى تجف أجسادهم ولا تدفن جثثتهم.

يختار عمار أن يحكي عذابات الآخرين، أن يتذكر وجوههم وتفاصيل معاناتهم، بل أحيانا يستيقظ على أنين أحدهم، وعلى أوجاعه. يتذكر الصابرين منهم والذين قهرهم الصبر فأصيبوا بالجنون. يثب فزعا وهو يرى عمر من طاطا واقفا أمامه، بعد أن رأى جثته تتعفن في الصحراء. يسمع اختناق لحسن داخل صندوق التعذيب، وبكاء طفلات تنتهك أجسادهن في خيام الوفود. 24 سنة و24 يوما في الأسر ، أزيد من  8 ألاف يوم، ومائتي ألف  ساعة من الساعات الطويلة، المريرة، القاسية، ليست تجربة يسهل نسيانها، وصعب جدا ألا يدور شريطها في ذاكرة عمار وهو ينتظر الساعات والساعات في بهو العمالة في انتظار أن يفتح العامل الباب في وجهه. «لو يعلم أحدهم ما عانيناه، لكان كل مواطن يمر بجانبنا يربت على كتفنا، تعاطفا، لكننا ندهس في الزحمة، الناس أخذتها مشاكلها الشخصية وحياتها اليومية، وحياتنا أهدرت». ليس سهلا اندماج هذه الفئة في دوامة حياة الناس السهلة، حياتهم صعبة، معقدة، تملؤها الكوابيس ويحز في أنفسهم أن لا أحد يقول حتى «شكرا…شكرا لأنكم كنتم في مقدمة الصفوف…شكرا لأنكم لم تتخلوا عن أحذيتكم العسكرية ساعة اشتداد المعارك وترتدوا الأحذية الرياضية وتختفوا إلى أن ينتهي كل شيء، أو تصوبوا الرشاش إلى الأرجل وتتعمدوا الإصابة للرجوع إلى الصفوف الخلفية، وهذا ما كان يفعله البعض، ومنهم الذين يتمتعون الآن بالامتيازات وبحياة طبيعية، وينعتون الأسرى ب»الخونة» لأنهم سقطوا في أيادي البوليساريو…يسهل كل ذلك حين لا يعيش أحدهم ذكريات عمار وآخرين، فبالأحرى حياتهم الحقيقية، مجرد ذكرياتهم توجع…
«لا أريد التحدث عن نفسي…حسنا…منذ اليوم الأول كان لي نصيبي من التعذيب، وسأقتصر على بعضه فقط، لأني أعجز عن حكي كل شيء…»، يلتقط أنفاسه ويطرد غصة تحرضه على الحكي، إلا أن أشياء أخرى تمنعه، لذلك كان عمار يبتسم ويبكي في الآن نفسه، فيقول «كلفنا بأعمال شاقة ككل يوم ضمن فريق، وهذه المرة في مكان كنا نسميه ب»بوسط 14»، ويسمونه هم بالمقاطعة الثالثة، أعطيناه هذا الاسم لأنهم كانوا يضعون صحنا واحدا أمام 14 شخصا. المهم، يوما نقلت مع عشرة آخرين للعمل هناك، في يوم من الأيام طالبنا الحراس بالماء بعد يوم شاق من العمل، فرفضوا، فقررنا خوض إضراب عن الطعام فقد كان الموت أفضل لنا، قلنا إما أن نموت أو نحيا، فعملنا طيلة اليوم، ثم الثاني فالثالث والرابع ونحن مضربون عن الطعام، اليوم الخامس، ونحن متهالكون ونكاد نموت، عدنا  ونحن نجر أرجلنا جرا، فوجدنا أمامنا 40 عسكريا في صف طويل. حين وصلنا إلى رأس التل طالبونا بالوقوف، وأمرونا بالتقدم واحدا واحدا، كان كل واحد منهم يحمل شيئا في يده: عصي وسياط وقطع حديدية، بعضهم مدرب على الفنون القتالية، بعضهم يحمل حجر. المهم كان كل واحد منا يتقدم أمام هذا الصف فيأمر بالمرور من أمام كل عسكري على حدة، هذا يبرحه ضربا بعصى ثم ينقله برجله إلى آخر ليرفسه، وآخر يختار مناطق حساسة، ثم يترك للرابع الظهر أو البطن، ومنا من فقد وعيه قبل أن ينتقل إلى الشخص الثاني، ومرر ككرة إلى الآخرين خاصة أننا كنا مضربين عن الطعام».
حمل المعذبون في بطانيات وألقي بهم في حفرة، «لم أعرف متى فقدت وعيي،
لم أدر بنفسي إلا في اليوم الموالي باكرا، حين سمعت أنين رجال فجرا. لم أتذكر حتى ما وقع، مرت نصف ساعة وأنا أحاول التذكر، قبل أن أرى أجساد إخواني متكومة والدماء تغطي وجوههم، وأياديهم وأرجلهم. يئنون، بعضهم يعجز حتى عن ذلك، بعد لحظات أخرجوا الأول، والثاني إلى أن حان دوري، نقلت حوالي عشرين مترا وعلى الرمال وضعوا كأس شاي حار وعلبة سجائر وقطعة خبز، يقول الحراس: كل ودخن أو اختر الموت، نحن بشر، وبعضنا استمر على العهد والآخر، ولأني كنت أكثرهم عنادا، فقد اخترت الموت، حينها قال الحراس لقد عثرنا على رأس الحربة، فنقلت من جديد إلى التعذيب. أدخلوني في دائرة رجال وبدؤوا يضربونني. انتفخ كل مكان في جسدي، ولا أذكر متى توقفوا عن الضرب، ألقوا ماء على وجهي وجروني إلى العمل، وبدأ السوط يجلدني، مطالبا إياي بالعمل، وكانت عيناي منتفختين ولم أكن أستطيع النظر أمامي. دفعني أحد مسؤولي البوليساريو ولم أكن أعرفه وهو محفوظ القاتل، فاعتقدت أنه أحد العساكر العاديين: فقال لي باستهزاء: هل يوجد سبب يجعلك تضرب عن الطعام؟ فأجبته: هذا لا يعنيك، حينها توعدني ، وابتعد، بعد ساعات أحضروني: وكانت شبه لجنة تنتظرنا: بدؤوا يسألون: ماذا يدور في رؤوسكم؟ ماذا تعدون؟ ما هي خطتكم؟ أبناء الكلاب يعرفون أننا ضعاف ولا حول لنا ولا قوة، ومع ذلك يبحثون عن أي سبب لتعذيبنا».
عذب الرجال مرة أخرى، «قلنا لهم ما نريده هو الطعام والماء. واستفزهم كثيرا أننا واجهناهم بأننا ميتون ميتون، فنحن نعمل ساعات طوال بدون طعام أو ماء أو لباس، وحين يحضرون لنا وجبة تكون قليلة وغير صالحة، وهذا أيضا موت، لذلك طالبناهم بضربنا حتى الموت. طالب رئيس هذه اللجنة الحراس بعدم ضربنا من جديد، وكان معي لحظتها ثلاثة مدنيين ورئيس هذه اللجنة هو من اختطفهم، كانوا يعملون في فندق إخفنير، ولم يكونوا حتى عسكريين، لكنهم أسروا معنا».
إذا تجرأ أحد الأسرى ونظر في وجه أحدهم بتأمل فإنه يلقى التعذيب، «كانت المخابرات الجزائرية تقول لهم، إذا فتحتم حوارا معهم سيقنعونكم بعكس ما تؤمنون به، لا تتركوهم يتحدثون إلى الناس، كانوا مخدرين، بأومر الجزائريين».
أكثر الأسرى، حسب عمار من تاونات وتازة «أغلبهم جبالة، ثم يأتي في الترتيب الثاني أبناء الخميسات وضواحيها ثم بني ملال فخنيفرة، وكنا كلنا نتحدى أولئك الكلاب، ولم يستطيعوا رغم كل انتقامهم وتعذيبهم أن ينالوا من وطنيتنا، بقدر ما كانت تهددنا معاملة بعض مسؤولينا لنا بعد عودتنا، فسنوات التعذيب لم تكن إلا لتحفزنا أكثر للتمسك ببلادنا، ونحن حتى الآن مستعدون للدفاع عنها…لكننا لسنا مستعدين لرؤية جلادينا يحكموننا».

ضحى زين الدين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق