< د. خالد الحري أكبر من فاجعة، وأصغر من إبادة بقليل، علما أن قرى ودواوير وتجمعات سكنية في عمق الجبال والمرتفعات، أبيدت عن بكرة أبيها، ودُفنت مساكن برمتها تحت التراب والحجارة وأعمدة الإسمنت وقضبان الحديد، وتمزقت منازل، كأنها من ورق صقيل، واندثرت في الهواء. مأساتنا كبيرة بكل المقاييس، ولا يمكن أن نتحايل عليها بمفردات اللغة وبلاغة المجاز وتحسينات اللفظ والحرف، لأن "الجبان"، الذي مر بسرعة البرق، أقوى من كل تعبير، بل كان هو التعبير الصحيح والموثوق به لحد الآن، حين اهتزت الأرض من تحت الأقدام، وجال الرعب في القلوب، ووقع ما لم يخطر على بال في "حوزنا" الحبيب. في هذا الحوز الجميل والهادئ، لم يكن أحد يتوقع، حتى أكبر خبراء الأرض وعلوم الجيولوجيا تشاؤما، أن ذلك سيحدث بهذه الفدح الكارثي في الأرواح، وبهذه السيول من الدماء، وركام من الأشلاء، وما لا يحصى من الدموع والفقد واليُتم. هنا، بهذه الرقعة الوارفة تنوعا طبيعيا وغنى بيئيا، تعايش البشر، لآلاف السنين، مع الجبل والحيوان والسهل والمرتفع والصخر والماء والخضرة والقحط والجوع والمسالك الوعرة، وظل الإنسان، في كل المرات، يجد الحلول لترويض الطبيعية ووضعها تحت خدمته، وكان ينجح على الدوام، قبل أن ينقلب كل شيء رأسا على عقب في ثوان. لقد خلخل زلزال "إيغيل" بإقليم الحوز كل المفاهيم، وضغط على الجرح كثيرا، وأفاض الدماء التي مازالت تسيل، حتى هذه اللحظة، ونحن على بعد أربعة أيام من الفاجعة، ومنحنيات الوفيات والإصابات الخطيرة، مازالت تلامس السماء. إن العيون تدمع، والقلوب تكاد تنفجر حزنا، ونحن نشاهد قوافل النعوش المحمولة إلى المقابر، ومسيرات المصابين والمفجوعين والمتألمين المرحلين إلى المستعجلات والأرقام التسلسلية للشهداء، لكن لا نقول إلا ما يرضي الله، ولا نطلب رد القضاء، لكن نسأل اللطف فيه، ودعواتنا بالرحمة والغفران لكل المغدورين، والشفاء العاجل للمعطوبين، والصبر والسلوان للأهالي والأسر والمكلومين. بهذا الإحساس الجارف من الألم، يعيش المغاربة فاجعة إيغيل. لكل حكايته ومأساته التي تركها جانبا، وهب الجميع إلى تجسيد واحدة أخرى جديدة من أروع ملاحم التضامن والتلاحم الوطنيين، بدءا بالحملة العارمة للتبرع بالدم، وليس انتهاء بالتطوع لتقديم يد المساعدة في أماكن الفاجعة بضواحي عمالة مراكش وإقليمي الحوز وتارودانت.فلم يكن ضحايا الزلزال وحيدين في أي لحظة، إذ سبقت شاحنات المساعدات الغذائية والأفرشة والأدوية فرق الإنقاذ، وأطلقت نداءات الإغاثة من وسط الردم والمناطق المعزولة، وتجند المتطوعون لتوفير الخيام وأماكن الاستراحة والأكل ومراقد النوم للأطفال والمرضى والشيوخ، في انتظار وصول مزيد من المساعدات. المغاربة يحزنون نعم، ويبكون ويتألمون بكل تأكيد، لكن يواصلون العمل، بكل ما توفر لهم من إمكانيات ووقت ومجهود، إذ تنقل القنوات العالمية شهادات رائعة من صور التضامن والتضحية والتطوع، وتذليل الصعاب أمام فرق الإنقاذ، بجميع مكوناتها، التي تواصل الليل والنهار، لانتشال مزيد من الجثث والأحياء. وتكتمل صور التلاحم الوطني بالقرارات الملكية السامية، التي طالبت بتكثيف المجهودات المبذولة، من قبل الحكومة، في جميع المستويات لتخفيف ما نزل على الضحايا والمواطنين وعائلاتهم، كما نفخر بجنودنا وقواتنا وأطرنا الوطنية من جميع الإدارات والمؤسسات والوزارات وفي القطاعين العمومي والخاص وفي جميع المواقع. رجال يبرهنون كل يوم أنهم كبار... وكبار جدا، في اللحظات التي تحاول الطبيعة أن تقزمك... وتجعل منك كائنا شديد الصغر.