fbpx
ملف الصباح

الهجرة القروية “دينامو” تفريخ “الكاريانات”

اعتبر علي شعباني، أستاذ باحث في علم الاجتماع، أنه لا بد التسليم منذ البداية، بكون الهجرة القروية في المغرب شكلت وما تزال أهم روافد تفريخ مدن الصفيح “الكاريانات” بهذا البلد، وطوقت العديد من المدن المغربية، كبيرة كانت أو صغيرة، بأحزمة البؤس والهشاشة.  وليس هذا فقط، يتابع شعباني ، بل إن هذه الظاهرة تتطلب الوقوف عندها  والتنبيه بمخاطرها، لإثارة العديد من الإشكاليات المرتبطة بها، “لهذا يعتبر المهتمون بهذه الظاهرة من علماء الاجتماع، أن سكان هذه الهوامش وقاطني الكاريانات، “كفائض الطاقة البشرية”، موضحا في تصريح خص به “الصباح”، أن هذا الفائض يمكن أن يتكون من المهاجرين الجدد من مختلف الأقاليم المغربية نحو المدن التي تعتبر أكثر جاذبية لهؤلاء، كما يمكن أن يتكون من “ملفوظي المدينة القديمة” أو الأحياء العصرية الحديثة، حيث لم يستطيعوا اقتطاع حيز مجالي بسيط يؤويهم ، نظرا لإمكانياتهم المادية البسيطة أو المنعدمة في غالب الأحيان.
ونبه الشعباني إلى أن بعض الدراسات التي أجريت في الموضوع، كشفت أن ظاهرة الكاريانات، ارتبطت في المغرب أشد الارتباط بحركة التصنيع التي شهدتها بعض المدن المغربية، خاصة الساحلية منها، “وخير دليل على ذلك، أن مدن الساحل الأطلسي التي تحتوي على أكثر من 70 في المائة من القوى العاملة الصناعية، تحتوي أيضا على 70 بالمائة من مجموع سكان مدن الصفيح، ومعظم سكان هذه المدن الصفيحية استوطنوها بسبب الهجرة القروية”، يشدد شعباني.
وفي السياق ذاته، ذكر شعباني بما خلص إليه أحد علماء الاجتماع البرازيليين، وهو “لوي ليما  أكتافيو دي كامركو” عن الهجرة القروية، إذ ذهب إلى القول إنها بمثابة عملية استئصال الجذور التاريخية والاجتماعية والثقافية والعاطفية أيضا، يقوم بها المهاجر القروي عن وعي وتصميم، في مرحلة من حياته، يعتبر فيها أن بقاءه في قريته أو منطقته لم يعد له أي فائدة، وأن الحل لهذه الوضعية هو شد الرحال نحو مكان جديد، عادة ما يكون المدينة، قد يحقق فيه بعض أحلامه، أو بعض أوهامه. هذه العملية في الحقيقة، تعبر بعنف، “استئصال الجذور”، عن واقع مأساوي متعدد الأبعاد، فهذه الذات الهاربة، أي المهاجر القروي، يمارس على وجوده عنفا “ساديا”، ليبحث عن تحرره مرة واحدة من ماضيه القاهر، ومن حاضره البئيس. ولكن مع ذلك، ورغم عنف الانتقال من منطقته إلى ذلك المكان الذي اختاره أو اختير له، يبقى يتنفس النسيم الآتي من هناك ويبقى مرتبطا عاطفيا وتاريخيا، بل وعضويا  لذلك المكان الذي يمثل نقطة الإحالة  بالنسبة لجميع مفاهيمه ومعتقداته وطموحاته، “إنه قد قد يحول اختياريا اسمه العائلي الأصلي باللقب الذي ينسبه إلى المنطقة التي يتحدر منها، من قبيل الرحماني، الدكالي، الزموري، الجبلي… وكلها ألقاب تحيل على قبائل أو مناطق بالمغرب”، يقول شعباني، مشيرا إلى أن المهاجر القروي عندما ينتقل إلى المدينة، لا ينتقل جسديا فقط، بل ينقل معه أيضا كل عاداته المحلية وتقاليده الثقافية وممارساته السلوكية التي تعود عليها وكل طقوس مناسباته العائلية والشخصية، “ما يجعل بعضا من مدن الصفيح تتحول إلى خليط ثقافي وعرقي عجيب، تقام بها الكثير من العادات والتقاليد الوافدة من مناطق وأقاليم مغربية متعددة”.
وتابع أستاذ علم الاجتماع القول إن الهجرة رغم قسوتها، لا تعني أن كل من يهاجر يقطع كل الصلات مع قريته الأصلية، بل يبقى متشبثا بذلك الخيط العاطفي الرفيع الذي يربطه بها، ويسعى كلما أتيحت له الفرصة لزيارتها والعودة إليها، أو استقدام أحد أفراده إلى المدينة، خاصة إذا ما تحسنت ظروفه المادية والاجتماعية عما كانت عليها قبل الهجرة، كما أن كثيرا من المهاجرين القرويين العزاب يفضلون الارتباط بالزواج من بنات قراهم أو من بنات معارفهم من أبناء منطقتهم.
هجر المغلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى