fbpx
ملف الصباح

مدن الصفيح تطيح بمخططات الدولة

تناسل الكاريانات ومعايير الاستفادة وارتجالية رجال السلطة تقوي أحزمة البؤس في المدن

أعادت أحداث كاريان سنطرال بالدار البيضاء، التي جندت لها وزارة الداخلية، تشكيلات من القوات العمومية لتنفيذ أحكام قضائية بالإفراغ وما لحق ذلك من اعتقالات ومحاكمات وتداعيات ورود فعل مستمرة إلى اليوم، سؤال مدن الصفيح إلى إلى الواجهة، ومقاربات الدولة للقضاء النهائي على آفة أضحت مثل حصى مؤلمة في حذاء المغرب وتعرقله على السير بشكل سليم في تنفيذ برامجه ومخططاته التنموية. في كاريان سنطرال وباقي  الكاريانات التي تمتد على شساعة الوطن، غالبا ما تلجأ الدولة وأجهزتها إلى المقاربة الأمنية التي تعطي أكلها في لحظة معنية، قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة من جديد، حتى يفقد المسؤول الأول عن قطاع السكنى أعصابه ويصرخ في وجه رجال وزارة الداخلية بما يعني “العار لما بعدو من ها الملف وخلوينا نخدمو”. والنتيجة أنه بعد 13 سنة من اطلاق برنامج “مدن دون صفيح” بتوجيهات من جلالة الملك، مازالت دار لقمان على حالها، إن لم تزدد سوءا، باستنبات براريك جديدة بشكل دوري، أمام أعين السلطة، والأقمار الصناعية للدرك الملكي، علما أن عددا كبيرا من المشاريع التي أنجزت، لحد الآن، في إطار إعادة الإسكان أو الترحيل، تعترضها مجموعة من المشاكل والعراقيل، بل بعضها تحول، بقوة الواقع، إلى مدن للصفيح.

الإحصاء…العلبة السوداء لدور الصفيح

تعددت المشاكل المرتبطة بالقضاء على مدن الصفيح، والتي عاقت استكمال المغرب لمشروعه في توفير السكن الكريم، والذي كان اطلقه الراحل الحسن الثاني منذ ثمانينات القرن الماضي، وتجددت الدعوة إلى الرفع من وثيرته في عهد الملك محمد السادس. وفي المدينة المليونية فقط، عرف البرنامج مدا وجزرا، كما جر السلطات إلى مشاكل متعددة، بعضها هي من خلقته وآخر أفرزته ظروف البطء واللامبالاة والتواطؤ أحيانا. ويعد الإحصاء، أو ما يطلق عليه التسجيل في الإحصاء، واحدا من المعايير التي تستند عليها السلطات في منح حق الاستفادة، إلا أنها إحصاءات يختلط فيها الرسمي بالفردي، وتفرخ مشاكل عند كل مبادرة ترحيل.
بعيدا عن الإحصاء العام الذي تقوم به المندوبية السامية للتخطيط، والذي غالبا ما ينظم كل عشر سنوات، تمتلك السلطات المحلية بمختلف مناطق المملكة إحصاءات خاصة، تتعلق بسكان دور الصفيح، وتساعدها في ضبط رقعة السكن غير اللائق، كما ترفع بشأنها تقارير إلى الجهات المختصة على صعيد الإقليم للاعتماد عليها في مخططات التنمية وإعادة الإيواء وغيرها من المجالات.
ومن بين عمليات الإحصاء التي تترسخ لدى فئة السكان قاطني دور الصفيح، تلك المتعلقة بالإحصاء من أجل الترحيل، والتي يعتمد عليها أيضا في الاستفادة من حقوق وطنية كالحق في شهادة السكنى.
وإن كانت الأخيرة تحولت إلى ما يشبه صكا عقاريا، يخول لصاحبه المنازعة في المطالبة بالاستفادة، فإن الإحصاء من هذا النوع تحول إلى علبة سوداء تمتلكها السلطة المحلية، وتبنى عليها قرارات الاستفادة، كما تحدد تصنيفات أخرى للحالات العالقة التي لم تشمل بإحصاء السلطة المحلية أو أغفلتها الأخيرة لسبب من الأسباب، أو نتجت عن انقسام الأسرة الواحدة، والمطالبة بالتساوي في توزيع الاستفادة، وهي المشاكل التي ظهرت عند تطبيق سياسة الترحيل لإعادة الإيواء وارتبطت بتنقيل مجموعة من قاطني دور الصفيح، إذ أن أحياء منها توقفت عملياتها بسب احتجاج أسرة أو أسرتين، فيما فضلت أخرى البقاء وسط ركام الهدم الذي خلفته جرافات السلطة عند محو آثار بنيان المستفيدين.
ما يعاب على الإحصاء الذي يستهدف المشمولين بالاستفادة، أن يطلق قبليا، ولا ينطلق الشروع في تطبيق الترحيل إلى ما بعد سنة أو أكثر، ما يغير خريطة المستفيدين بزواج أو طلاق أو ظهور أفراد آخرين كانوا يعيشون خارج الحي الصفيحي المستهدف بالترحيل. فالمسافة الزمنية بين إحصاء السلطة، الذي يعد إيذانا بالترحيل، والشروع الفعلي في التطبيق، تنتج فيها أسر جديدة لم تشمل بالإحصاء ما يفتح الباب على مصراعيه أمام احتجاجات ولوم واتهامات، تصل في بعض الأحيان إلى مظاهرات وعصيان، وهي النماذج التي ظهرت في المحمدية والبيضاء وأكادير، والتي كالت الاتهامات للسلطة المحلية، على اعتبار أن الأخيرة المسؤولة عن ضبط سكان دور الصفيح وحصر قوائم الاستفادة.
وتتسرب حينها معلومات جديدة عن حالات تطرح عدة تساؤلات وتهم بالخصوص أشخاص لم يشملهم الإحصاء الذي تتذرع به السلطة، ويوجدون ضمن قائمة أول المستفيدين، وحالات أخرى لميسورين شملهم حظ القرعة في اختيار البقعة البديلة للسكن الصفيحي.
هذه المشاكل لا ترتبط بحي صفيحي واحد، بل ظهرت في كل عمليات الترحيل، وواكبتها احتجاجات بلغت حد محاولة الانتحار، بل إحداها في بني ملال انتهت بالانتحار وكانت ضحيتها شابة بالغة من العمر 25 سنة، حينما أشعلت النار بجسمها كرد فعل احتجاجي على ما تعرض له السكن القصديري لأسرتها، بـ “سوق السبت أولاد النمّة”، إقليم لفقيه بنصالح، من هدم على يد السلطات المحلية رغم عدم استفادتها من بقعة تعويضية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى