ملف الصباح

وهم نجاح “الموديل التونسي”

النجاح الاقتصادي لا يمكن أن يكون بديلا عن الحريات الفردية والجماعية

دعا جيل كيبل، أستاذ العلوم السياسية في باريس، والخبير في العالم العربي الاسلامي، في تحليله لثورة الياسمين بتونس وعلاقتها بالأنظمة في البلدان العربية الأخرى، إلى ضرورة النظر إلى خصوصية ما حدث في تونس. وأضاف كيبل في حوار مع جريدة ليبيراسيون الفرنسية ضمن ملف خاص، أن الثورة التونسية قامت بها في المقام الأول الطبقة المتوسطة المتعلمة والعلمانية إلى حد كبير. إنها حركة مختلفة جدا عن أعمال الشغب التي هزت الجزائر مطلع شهر يناير الجاري، إذ اقتصرت في الغالب على اشتباكات بين الشباب المهمشين الذين هاجموا مخازن المؤونة أو رموز الطبقة الوسطى بدل مواجهة دولة قوية للغاية.
في تونس، بدأت الحركة بعد انتحار شاب يبيع الخضر والفواكه كان ضحية لوحشية الشرطة والفساد. إنه رمز يتحدث عنه العالم العربي كله، في كل مكان يمكنك أن تجد مثل هذه الحالة، ولكن خصوصية الحالة التونسية تكمن في حقيقة تأثير الحادث على عموم الشعب. فكانت الطبقة المتوسطة قادرة على النزول الى الشوارع، وقهر قوة زين العابدين بن علي في البداية. وباعتراف الجميع، فإن هذا النصر ربما لم يكن ممكنا، أو على الأقل ليس بهذه السرعة، إذا لم يسارع الجيش إلى الوقوف ضد هذا الديكتاتور الذي كان دائما متخوفا منه، ويعتمد في المقام الأول على الشرطة.
لم يكن جيل كيبل وحده يعترف بالخصوصية التونسية، فكثيرون رأوا في النموذج التونسي وهما كبيرا صنع استقرارا سياسيا على كذبة نجاح اقتصادي. إذ استطاعت تونس أن تبني اقتصادا عصريا متلائما مع مواردها المحدودة ومع خصوصياتها، وركزت بصفة واضحة على اقتصاد الخدمات، وتمكنت من تطوير نموذج ناجح يقوم على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وبرزت في البلاد طبقة متوسطة مستقرة نسبيا تعيش في ظروف مقبولة على العموم، وقد أصبح هذا النموذج مضرب الأمثال في المنطقة وفي العالم أيضا، وارتبط هذا النجاح الاقتصادي بشكل مباشر بالاستقرار السياسي الذي كان يقوم على ديمقراطية شكلية يحكم فيها الرئيس قبضته على كل تفاصيل الحياة السياسية، ويعتمد في ذلك على حزب أوحد ومجموعة من الأحزاب الصغيرة التي تحقق بعض المنافع دون أن تكون لها أي صلة بالشعب، ولم يمانع الغرب من اعتبار تونس دولة ناجحة رغم هذه القبضة الحديدية، بل أكثر من هذا اعتبرت أن هذا الاستقرار في ظل حكم مركزي متسلط هو أفضل بكثير من الديمقراطية التي قد تفضي إلى بروز قوى سياسية متشددة ومعادية للغرب ومصالحه مثل الإسلاميين.
وقد بقي النجاح الاقتصادي التونسي أرقاما تقدمها الحكومة التونسية، وصورة سياحية يتم الترويج لها من قبل وكالات السياحة، لكنه لم يحقق في مقابل ذلك التحول المطلوب اجتماعيا، ومع مرور السنوات وتداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية بدا أن الخيارات الاقتصادية في هذا البلد وصلت إلى حدودها ولم تعد قادرة على تلبية المطالب المتزايدة للمجتمع خاصة ما تعلق بتوفير فرص العمل.
ويخلص أحد المتتبعين إلى القول إن  الدروس الأولى لما جرى في تونس تنبه إلى أن النجاح الاقتصادي لا يمكن أن يكون بديلا عن الحريات الفردية والجماعية، كما أن انتشار الفساد في ظل التسلط والانغلاق السياسي والإعلامي أصبحت كلها عوامل مساعدة على الانفجار، وسيكون من الضروري مستقبلا تحصين النجاح الاقتصادي بنظام اجتماعي أكثر عدالة، وبأجواء سياسية حرة وشفافة تجعل المجتمع يتحمل مسؤولياته في مواجهة كل التحديات التي قد تواجهه، وبعد الذي جرى في تونس سيكون الاعتماد على مديح وثناء الدول الكبرى التي توزع شهادات حسن السلوك ضربا من الانتحار.
إن استقرار البلدان يجب أن يبنى على الديمقراطية وأسسها، وليس على قمع المعارضين وخنق الأصوات والرقابة على “يوتوب” و”فايسبوك”. فالاستقرار الذي صنع “أسطورة تونس” تبين أنه استقرار هش وخادع لن يسفر سوى على النتائج العكسية. المغرب، وإن لم يكن جنة للديمقراطية وحقوق الإنسان، يتوفر، على الأقل على أحزاب ذات خلفية تاريخية، ومعارضة حقيقية، ومتنفسات للاحتجاج والمطالبة بالحقوق، وحديقة البرلمان بشارع محمد الخامس شاهدة على المئات من الوقفات الاحتجاجية منذ تسعينات القرن الماضي حتى اليوم.
كما أن رسالة تونس لا تعني التونسيين وحدهم بل موجهة إلى الجميع. إنها ثورة الياسمين وثورة الجوع وثورة الغضب وثورة الغلاء… ومهما أعطيناها من أسماء ومنحناها من نعوت فهي في الأول والأخير ثورة للحرية. إلا أنها ثورة ستكتب أول حروفها على ورقة بيضاء وعليها أن تبتكر مؤسسات تضمن هذه الحرية وترسي ميكانيزمات للديمقراطية حتى لا تسقط في الفوضى والعبث اللذين يحدقان بأي ثورة شعبية غير مؤطرة.

جمال الخنوسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق