ملف الصباح

المكاوي: المغاربة مارسوا دائما “رياضة” الاحتجاجات

الباحث المتخصص في الشؤون الإستراتيجية يرى أن تجربة الإنصاف والمصالحة لعبت دورها في نجاح محطة الانتقال بالمغرب

أكد عبد الرحمن المكاوي الباحث المتخصص في الشؤون الاستراتيجية، أن عدوى الاحتجاجات في تونس ومصر التي جعلت نظامي بنعلي ومبارك موضع محاسبة، لا يمكن أن يشهدها المغرب لأنها احتجاجات من نوع خاص، في ظل تغيبب النظامين معا

لدور المؤسسات الوسيطة من أحزاب ونقابات التي تعلب دورا طلائعيا في وقاية النظام، من خلال امتصاص غضب الشارع والتنفيس عن المكبوتات عبر احتجاجات سلمية ومؤطرة، كما يؤكد الباحث في هذا الحوار، أن خصوصية النظام السياسي المغربي والدور المركزي للمؤسسة الملكية به، والتركيبة الاجتماعية والثقافية للمغرب تجعله بمنأى عن مثل هذه الاحتجاجات العاصفة التي تضع شرعية الأنظمة محل مساءلة.

هل يمكن لعدوى الاحتجاجات في تونس ومصر أن تنتقل إلى المغرب بالطريقة ذاتها؟
لكل مجتمع ظروفه السياسية والاجتماعية والثقافية المتميزة، ففي تونس بدأت الثورة بحادث بسيط وعابر يتمثل في مناوشة شرطي وشرطية للبوعزيزي ومحاولة السطو على عربته، إضافة إلى إهانته بالسب والضرب، ما دفع الشاب إلى إحراق نفسه أمام الملأ.
احتضن الشارع  في مدينة سيدي بوزيد هذا الحادث المؤسف، فتحولت كرة ثلج الاحتجاجات من مطالب اجتماعية إلى سياسية لا يستبعد أن يكون للتدخل الأجنبي يد فيها بسبب الفراغ الحاصل الآن في السلطة.
مؤشرات التدخل الأجنبي في تدبير المرحلة الانتقالية يمكن رصدها من خلال الأحزاب الثمانية اليسارية التي تربطها علاقات مباشرة أو غير مباشرة مع الأحزاب الأوربية والأجهزة السرية لبعض بلدانها، وأخص بالذكر هنا فرنسا، دون إغفال التدخل الأمريكي في سير هذه الأحداث، ثم هناك أيضا  حركة النهضة التي تعد فرعا أساسيا تابعا لتنظيم الإخوان المسلمين عبر العالم.
فهذه التنظيمات السياسية تبنت الاحتجاجات في أسبوعها الثاني لتحولها من انتفاضات اجتماعية إلى احتجاجات سياسية.
يختلف المغرب اختلافا جذريا عن المجتمعين التونسي والمصري، ففي تونس تغيب القبائل عن بنية المجتمع، إضافة إلى افتقاد البلاد منظمات وسيطة في عهد بنعلي، إضافة إلى ضيق هامش الحريات.
للمغرب مرتكزاته السياسية والثقافية الخاصة، وهو يعيش انتقالا ديمقراطيا منذ منتصف التسعينات في عهد الراحل الحسن الثاني وبعد تولي الملك محمد السادس شؤون الحكم، وكان لتجربة التناوب التوافقي التي قادها الزعيم الاتحادي عبد الرحمان اليوسفي سنة 1998، دور في الانتقال السلس للدولة من نمط الحكم المخزني العتيق إلى آخر ديمقراطي حداثي.
الانتقال الديمقراطي ما يزال قائما لأنه يتم بجرعات، إلا أنه يسير في الطريق القويم من خلال الإصلاحات التي فتحها الملك الجديد، وهمت مجالات عديدة.
تجربة الانتقال الديمقراطي مثال فريد يحتذى به في العالمين العربي والإسلامي، كما أن تعدد الوسائط في البلاد من أحزاب ونقابات ومجتمع مدني ينشط في كافة المجالات الحقوقية والاجتماعية والثقافية، إضافة إلى الدور الذي ما تزال تلعبه القبائل في تأطير المواطنين، يجعل النظام السياسي المغربي بمنأى عن أحداث تونس ومصر والجزائر على السواء، لأن أنظمة هذه الدول حاصرت الأحزاب لصالح سيادة الرأي الشمولي يمنح الهمينة لتوجه سياسي وحيد يجسده رئيس الدولة والطبقة الحاكمة التي تدور في فلكه.
لقد دجن الرئيس المخلوع في تونس كل المؤسسات الوسيطة وظل الولاء للدولة المنطق الوحيد السائد بالبلاد لعقود.
أما المغرب فيظل كما كان يقول الراحل الحسن الثاني مثل الخيمة التي يتوسطها عمود كبير يشكل قاعدة ارتكاز أساسية تجسده الملكية وأعمدة صغرى محيطة به كما تعكسها باقي المؤسسات الوسيطة.
خصوصيات المجتمع التونسي مماثلة لنظيرتها في مصر، ففي كلا البلدين تبقى المؤسسات الوسيطة شبه منعدمة والمجتمع المدني يعيش اختناقا حقيقيا، كما أن هامش حرية التعبير ضيق جدا وهما معا يستعملان فزاعة الإسلاميين لترهيب الجماهير وتبرير الاستبداد، وهو ما تعكسه وسائل الإعلام التي تظل موجهة في عمومها.

ما حدود الاحتجاجات الاجتماعية في المغرب؟
الخصوصية المغربية نابعة من أن المؤسسة الملكية تحظى بإجماع شعبي وبشرعية دينية وتارخية وديمقراطية، تجعلها فوق النزاعات السياسية، وبالتالي فإن أي احتجاجات ممكنة ستكون ضمن إطار ما دون المؤسسة الملكية، كما أن التوترات الاجتماعية ظلت دائما حاضرة بالمغرب وكانت متنفسا للجماهير وهي رياضة اعتاد عليها المغرب في العديد من المناسبات، ومن ضمنها السماح للجماهير الرياضية بالتظاهر في الشارع  وهو يعد قناة أساسية للتنفيس عن الغضب والمكبوتات الداخلية الشيء الذي ينعدم في دول عربية أخرى مثل مصر وتونس والجزائر.
تدجين الاسلام السياسي واجتثاثه في تونس ومصر يشكل بدوره إحدى أهم المفارقات بين المغرب والبلدين المذكورين، إذ أن زعيم حزب النهضة الإسلامي رشيد الغنوشي وعددا من الزعماء السياسيين في تونس يعتبرون المغرب نموذجا يقتدى به في مجال الانتقال الديمقراطي وفي قدرة النظام السياسي على إدماج الإسلاميين في الحياة السياسية، الذين يلعبون اليوم دورهم في المشهد السياسي دون اكتساح أو سيطرة أو إجتثاث.

أجرى الحوار : رشيد باحة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق