دوليات

خطر استيلاء الجيش على السلطة في تونس

أعلن الجنرال رشيد عمّار رئيس أركان الجيش البري في تونس، أن الجيش الوطني هو الضامن للثورة مضيفا “الجيش هو حامي العباد والبلاد”. جاء ذلك حينما خرج الجنرال فجأة في تجمع حشد من المتظاهرين أمام مقر الحكومة بالعاصمة التونسية ليخاطبهم مؤكدا» نحن أوفياء لدستور البلاد… ونحن حماة الدستور ولن نخرج عن هذا الاطار».  وأضاف الجنرال عمار الذي كان يخاطب المتظاهرين الذين يطالبون باستقالة الحكومة المؤقتة في محاولة لتهدئتهم، “لا تضيعوا هذه الثورة المجيدة، أنا صادق وكل القوات المسلحة صادقة لكي تصل بالسفينة الى شاطىء السلام”، وحين سأله أحد المتظاهرين عن الضمانات، أجاب “أنا هو، أنا هو”.
وحذر الجنرال عمار من “الركوب على ثورة الياسمين” ومن الفراغ، وقال “ثمة قوى تدعو الى الفراغ، والفراغ يولد الرعب والرعب يولد الدكتاتورية”.
وهذا هو أول خروج  للجنرال التونسي الذي لعب دورا كبيرا في أحداث تونس، منذ سقوط نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، ويتمتع رشيد عمار بشعبية كبرى في تونس خاصة أنه ساهم في عملية مغادرة  بن علي البلاد.
ولا يعرف على وجه التحديد الدور الذى قام به الجيش التونسي في الأحداث الأخيرة، إلا أن المعلومة التى أكدتــها وسائل إعــلام تونســية متعددة، تشير إلى أن الجنرال القوي تعرض يوم 9 يناير لموقف صعب مع الرئيس المخلوع، حين خيره بن علي بين إطلاق الرصاص على المتظاهرين أو الإقالة، فاختار الخيار الثاني، قبل أن يعود إلى الرئيس المخلوع في اليومين المواليين ليطلب منه مغادرة البلاد، وهذا ما كان.
ويرصد المراقبون في تطورات الأوضاع المتسارعة بتونس باهتمام، الدور الذي تلعبه المؤسسة العسكرية في مسار الأحداث، ويعتقد العديد من المتتبعين بأن موقف قيادة الجيش الأخير كما عبر عنه الجنرال رشيد عمار ينذر بخطر استيلائه على السلطة في حال استمرار الفراغ السياسي كما صرح بذلك قائد القوات البرية، كما أن شعبية الجيش وسط الجماهير بعدما رفض استخدام القوة ضد المحتجين كان له الأثر البالغ في إزاحة الرئيس زين العابدين بن علي وتتويج الانتفاضة الشعبية بإسقاطه، ما خلف استحساناً كبيراً لدى الشارع التونسي. ويتولى الجيش التونسي منذ الرابع عشر من يناير الحالي مهمة إعادة الأمن في البلاد في إطار حظر التجول المفروض، ويتولى حالياً المطاردة المتواصلة لفلول من الأجهزة الخاصة للرئيس المخلوع.  ويرجح مراقبون غربيون فرضية تولي رئيس أركان الجيش التونسي الجنرال رشيد عمار مهمة رئاسة البلاد في حال حدوث فراغ في السلطة أو صعود تحدي الإسلاميين، الذين استبعدوا من الساحة السياسية خلال عهد الرئيس السابق.
لكن البعض يستبعد هذا السيناريو لأسباب من أهمها حياد المؤسسة العسكرية ويقظة ووعي المجتمع المدني والحركة السياسية التونسية المدعومة بانتفاضة شعبية غير مسبوقة في العالم العربي.
ويذهب الباحث عبد الرحمان المكاوي في المنحى نفسه، في تصريح ل”الصباح”، بتأكيده  أن الشعب التونسي لن يسمح بالانتقال من نظام مستبد إلى نظام عسكري ديكتاتوري، كما أن يقظة الطبقة السياسية التونسية، يضيف مكاوي، تجعلها تنظر إلى الجيش بمنظور حياده عن الحياة السياسية.
واعتبر الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية، أن  الجيش الوتنسي يتعامل بأجندة خارجية، فرشيد عمار تربطه علاقات وطيدة بكل من الولايات المتحدة وفرنسا، اللتان تراقبان الوضع في تونس عن كثب، وبالتالي فهما ترفضان معا خيار تولي الجيش السلطة وإجهاض ثورة الياسمين، كما كشف المصدر ذاته، أن رئيس أركان الجيش البري تدخل أول أمس فقط من اجل إقناع الجماهير بفك الاعتصام المضروب عن الوزارة الأولى، إلا أن مسعاه خاب، برأي المتحدث نفسه، لأن الاعتصام مايزال متواصلا لحد الآن، إذ تطالب الجماهير التونسية برحيل حكومة الغنوشي ومحاسبة رموز النظام السابق.
ومن جهته يرى حمة الهمامي، أمين عام الحزب الشيوعي التونسي، أنه إذا كان الجيش يحظى بتقدير من الشعب التونسي وله فضل كبير في إعادة الأمن للبلاد وتأمين عملية الانتقال السياسي، إلا أن ذلك لا يعني تدخل المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية، لذا ينبغي، يشير المصدر ذاته، أن تظل هذه المؤسسة وفية لتقاليدها في الحياد إزاء العملية السياسية، وهو مطلب شعبي اليوم وتدعمه جميع القوى السياسية في البلاد.
الحظوة الخاصة التي تلازم المؤسسة العسكرية في تونس، وسطع نجم الجنرال رشيد عمار تنظر إليه بعض القوى السياسية بعين الحذر، وترجح فرضية تولي قيادة الجيش لرئاسة البلاد، حسب البعض، خاصة في حالة استمرار الفراغ السياسي الذي تعيشه تونس إثر سقوط نظام الرئيس بن علي، وغياب شخصية سياسية كارزماتية تحظى بالإجماع، وضعف المعارضة في الخارج.
وفي حوار لإحدى الصحف الفرنسية، أعرب الأدميرال جاك لانكساد، رئيس أركان الجيش الفرنسي السابق والسفير الأسبق في تونس، عن اعتقاده بأن “قرار قيادة الجيش برفض قمع الانتفاضة الشعبية بخلاف ما فعلت أجهزة الشرطة، كان له أثر حاسم في سقوط الرئيس بن علي، ويمكن للجيش أن يكون عنصراً ضامناً للاستقرار وتجاوز حالة الفوضى التي تشهدها البلاد”.
استبعاد سيناريو استلام الجيش لمقاليد الأمور في تونس لا يعني إقصاءه بل يعني أنه يقوم بدور مهم من وراء الستار في تأمين عملية الانتقال السياسي، لكن دون أن تتحول تونس إلى نظام عسكري جديد.

رشيد باحة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق