fbpx
خاص

عين الشق … حكاية النشأة والنواة

حي بيضاوي فرنسي الفكرة مغربي الروح والمعمار

صدر حديثا للباحث عبد الله التهومي كتاب بعنوان “عين الشق.. الحي النواة والامتداد” يشكل لبنة جديدة في التأريخ المحلي لأحياء الدار البيضاء، وتجمعاتها السكانية وغوصا في ذاكرتها، واستعادة قصة نشأة واحد من أعرق الأحياء البيضاوية. في هذا الخاص تسافر بكم “الصباح” في رحلة استرجاع لبدايات حي عين الشق وخصوصية هذه المنطقة.

إعداد: عزيز المجدوب

تميزت منطقة “عين الشق” بخصوصية جغرافية تميزها عن بقية المناطق التي بنيت فوقها أحياء الدار البيضاء خارج سور المدينة القديمة وأيضا خارج المدينة الأوربية التي تشكلت خلال بداية الحماية الفرنسية مطلع القرن الماضي.
وتوجد منطقة عين الشق بموضع يرتفع حوالي 200 متر عن سطح البحر، وهو ما جعلها تطل على مركز المدينة، إضافة إلى وجودها بملتقى طرق إستراتيجي سعت القوات الفرنسية إلى استغلاله منذ بداية استيطانها للمنطقة لجعله نقطة مراقبة، خاصة للقبائل المجاورة التي قاومت الوجود الفرنسي واشتبكت معه في معارك ضارية أبرزها معركتي “تدارت” في شتنبر وأكتوبر 1907 والتي جرت رحاها في الموقع الحالي لشارع المنظر العام ومنطقتي حي الكريمات وكاليفورنيا.

وأسفرت تلك المعركة عن مقتل العديد من القادة العسكريين الفرنسيين أشهرهم القبطان إيلير الذي نقل جثمانه إلى فرنسا، وأقيم له ضريح رمزي في قلب منطقة كاليفورنيا، كما شيد حصن وبرج مراقبة باسمه في الموقع الحالي لزنقتي سبتة وشارع 2 مارس، إلى جانب حصن “بروفو” الذي بني القصر الملكي للبيضاء على أنقاضه.
واشتهرت منطقة عين الشق باحتضانها مقبرة سيدي مسعود تدارت التي تعد من أكبر مقابر البيضاء واشتملت على العديد من الأضرحة القديمة منها ضريح سيدي مسعود الذي يعود تاريخه إلى القرن الرابع عشر ميلادي، وضريح سيدي امحمد الحارثي البعمري (ت 719 هجرية) وضريح سيدي محمد بن سيدي مسعود ثم ضريح سيدي علي الهجام (توفي سنة 1653).

مارشينزيو.. مهندس النواة

يتوقف عبد الله التهومي في كتابه عند بداياتa تأسيس حي عين الشق، فيقول إن التفكير في بناء نواة هذا الحي بدأ في أواخر الثلاثينات، وتحديدا في 1936، في إطار مشروع سلطة الحماية الفرنسية الهادف إلى خلق أحياء سكنية خاصة للمغاربة لامتصاص مدن الصفيح المحيطة بالبيضاء.
وأضاف التهومي أن من وضع تصميم نواة حي عين الشق سنة 1945 هو المهندس الفرنسي أنطوان مارشينزيو رئيس المكتب المعماري المكلف بتخطيط الوحدات، وقام “المكتب الشريف للسكن الأهلي” بالإشراف على مشروع بناء الحي (أي الدرب القديم) وتنفيذ هذا المخطط بتوجيه من بلدية مدينة الدار البيضاء.
وهكذا تم بناء أغلب الأجزاء السكنية للحي بينما استغرق بناء التجهيزات الأخرى بضع سنوات، وتوافد السكان عليه من جنسيات مختلفة ابتداء من 1946 وكان أغلبهم من بعض المقيمين الأجانب وقدماء المحاربين ممن شاركوا في الحرب العالمية الأولى والثانية مع بعض خدام الحماية وإيواء بعض مرحّلي دور الصفيح.
وتواصل بناء حي عين الشق/ النواة تحت إشراف ميشيل إيكوشار مدير الداخلية ورئيس مصلح التعمير الذي وضع سنة 1946 مخططا معماريا جديدا وشجع الدولة على نزع الملكية لبناء مشاريع عمرانية وحبس زحف المضاربة العقارية وتملك الأراضي من قبل عدد قليل من المالكين.
ولم تكن الأرض التي شيد عليها حي عين الشق خلاء تاما، بل كانت هناك بعض المرافق والمعالم التي سبقت، منها مقر الحرس المتنقل الفرنسي الذي بني سنة 1930، وتم ضمه إلى عين الشق سنة 1945 كمقر لمفوضية الشرطة وهو من تصميم المهندس الفرنسي بيرولياز، ومنذ تلك المرحلة أصبح بمثابة المركز الإداري لمنطقة عين الشق.

تعمير مبكر و”قامرة” للمراقبة والتفتيش

أما التعمير بالمنطقة فقد بدأ منذ الحرب العالمية الأولى وتحديدا في 1917 عندما وضع هنري بروست أول تصميم مديري لتوسعة الدار البيضاء، وفي يونيو 1921 تم إنشاء مستشفى لأمراض السل بعين الشق ولم يكن اختيار هذا الموقع بشكل اعتباطي، بالنظر إلى الظروف المناخية التي تميزه وأيضا الخصائص الجغرافية بحكم وجوده على ربوة تطل على المدينة وتبعد قليلا عن البحر.
وفي السنة الموالية أي 1922 تم إنجاز طريق الدار البيضاء مديونة، وقبل ذلك كانت منطقة عين الشق بمثابة بوابة للبيضاء منذ توقيع الحماية في 1912، إذ اشتهرت ب”القامرة” أو “لازاريت” lazaret وهي المنطقة التي خصصها الفرنسيون خلال هذه المرحلة لتشييد مؤسسة عبارة عن محجز خاص بالعزل الصحي الوقائي أشبه بنقطة تفتيش تتم فيها مراقبة الأشخاص والبضائع الوافدة على المدينة من البوادي المجاورة.
ولم تكن هناك “قامرة” وحيدة بالبيضاء بل كانت هناك نقط مشابهة بكل من ممر طريق ولاد زيان (قرب عين البرجة) وثانية بممر الصخور السوداء (عند ملتقى شارع السفير بن عائشة حاليا) ثم ممر شارع عبد المومن بدرب غلف، إلا أن “قامرة” عين الشق ظلت هي الأشهر بموقعها الحالي عند تقاطع شوارع محمد السادس (طريق مديونة سابقا) والمنظر العام والوحدة الإفريقية بحكم وجود هذه الوحدة الصحية والمراقبة.
ولم يكن يخضع العابر عبر “القامرة” إلى التفتيش وأداء إتاوة مالية نظير دخوله للمدينة فحسب، بل أيضا يخضع لرشه بمبيدات تفاديا لنشر الأوبئة والأمراض المنقولة من المناطق المجاورة.

هندسة العمود الفقري للسمكة

حرص المهندس الفرنسي أنطوان مارشينزو في التصميم العام الذي وضعه على أن يجعل من حي عين الشق نسخة مكررة من حي الأحباس الذي تشكل منذ 1917 وكان بمثابة نواة درب السلطان، إلا أن عين الشق كانت له خصوصية أخرى تمثلت في توفره على مجموعة متجانسة من البنايات مدروسة بعناية لتشكل مدينة مستقلة بكل مرافقها الحيوية، وتتناسب مع خصوصيات عيش المسلمين، إذ جعل هندسة الحي على شكل عمود فقري لسمكة.

أما المهندس بول بوستيل الذي تولى تنفيذ تصاميم الدور، فقد حاول استعادة نمط الحياة المغربية التقليدية من خلال خصوصية المنازل واتسامها بواجهة صماء صلبة، وفناء وسطي وأبواب مواربة، وزخرفة بها نقوش مغربية أصيلة، إضافة إلى مظلات بالقرميد الأخضر.
ويقول التهومي في كتابه “تم استكمال حي عين الشق النواة وفق التصميم المديري الجديد على ضوء مقترحات ميشيل إيكوشار التي تحدث عنها في كتابة “كازابلانكا رواية مدينة” أي أن كل حي أو وحدة سكنية يجب أن تتمركز حوله مجموعة مدرسية: مدرسة للبنين وأخرى للبنات وروض للأطفال، ومجال أخضر يتكون من أشجار ويتضمن ملعبا للممارسة الرياضية وقاعة للسينما وأخيرا توفر الحي على مركز تجاري صغير، وأن لا تلزم الطفل أن يقطع أكثر من 500 متر ليصل إلى المدرسة، وأن لا يضطر في قطع هذه المسافة لاجتياز طريق تمر منه السيارات.

ويضيف التهومي أن المتأمل لبنية النواة الأصلية لعين الشق يتضح له أن تنفيذ رؤية إيكوشار قد أخذت بعين الاعتبار، فعلى الجانب الأيمن لشارع الحزام الكبير (المنظر العام حاليا) شيدت مدرسة ابتدائية تحمل اسم “عين الشق” وتحمل حاليا اسم “المنظر العام بدورها، مع تجهيزها بالسكن للطاقم الإداري وقسم للمطعمة “لا كنتين” مع الأشكال الهندسية المغربية من أقواس وترك مساحة واسعة غرست فيها الأشجار، كما تم تشييد المدرسة الابتدائية “الجنوبية” (حاليا ابن خلدون المقابلة لموقع الخيرية الإسلامية سابقا) وفي مدخل الحي تم بناء المسجد العتيق سنة 1954 وهو من إنجاز المهندس الفرنسي إدمون بريون بمرافقه الضرورية من سكن للفقيه ومحلات العدول وفي الجهة المقابلة بني قسم رعاية “شؤون الأم والطفل”.

ومن المرافق والمعالم التي تعزز بها حي عين الشق، السوق النموذجي الذي كان يسمى “المارشي” وما يتصل به من دكاكين وحمام تركي، إذ يتسم هذا السوق بخصائص معمارية مميزة، رغم محدودية مساحته بحكم أنه شيد في الأصل لاستيفاء متطلبات تجمع يتراوح عدده سكانه ما بين 6 آلاف و8 آلاف نسمة، إذ بني على ارتفاع مهم عن السطح وبسقف عال على طريقة “ظهر الحصان” تتخلله نوافذ من زجاج ملون ليضمن إضاءة مستمرة طيلة فترات النهار والحفاظ على طراوة المعروضات، إذ يتكون من صفين متقابلين من الدكاكين كل واحد يضم عشرة محلات خاصة لبيع الخضر والفواكه والجزارة واللحوم البيضاء وأربعة محلات خاصة بالسمك وغيرها من المرافق.
كما استحضر التهومي العديد من المعالم الخاصة بعين الشق منها “دار العسكري” وبناية البريد والإذاعة ولاسكام ودار القاضي بن ادريس وغيرها.

الخيرية… أثر بعد عين

من المعالم التي ميزت حي عين الشق قبل أن تصبح أثرا بعد عين، هناك مقر “دار الأطفال” أو الخيرية التي تم الإجهاز عليها وهدمها بشكل نهائي في 2016 وهي التي ظلت شاهدة عبر عقود منذ تشييدها سنة 1927 على أحداث وشخصيات مرت منها.
ففي لحظة ميلاد خيرية عين الشق وضع المقيم العام الفرنسي، آنذاك، ثيودور ستيغ، على رأسها ثلة من الأعيان أغلبهم كانوا ضمن المجلس البلدي، كالحاج عابد السوسي، وهو واحد من أكبر أثرياء المدينة، وبوشعيب الأزموري، وفي ما بعد التحق بهم الحاج محمد التوزاني صاحب الضيعة المشهورة التي كانت تحتل جزءا كبيرا من حي إفريقيا حاليا، وبمحاذاة طريق مديونة على بعد أمتار من الخيرية، التي سيشرف عليها وستتحول إلى فضاء لاستقطاب الأطفال الأحوج إلى معاملة دراسية صارمة، لذا كان العديد من النزلاء يتحدرون من أسر غير معوزة، لأن أسباب النزول لها ارتباط بالجانب التربوي وليس بالجانب الاجتماعي.
في نهاية الموسم الدراسي، كان يحضر المقيم العام الفرنسي فيقدم النزلاء أمامه معزوفات وأناشيد ومسرحيات، قبل أن يوزع المسؤولون جوائز على المتفوقين دراسيا، وهو ما كان يتيح للذين حصلوا على معدلات جيدة فرصة الاستفادة من المخيم الصيفي.
خلال الفترة التي أشرف فيها الحاج عابد السوسي على خيرية عين الشق بعد أن ترأس جمعيتها، خلال مطلع الأربعينات، حدثت تغييرات جوهرية على نظامها، إذ بمجرد حصول المغرب على الاستقلال، توقفت الخيرية عن استقبال أبناء الأعيان واتجهت إلى استقبال أبناء شهداء المقاومة وجيش التحرير، فضلا عن أبناء الفقراء والأيتام.
وتتحدث بعض الروايات الشفوية عن زيارة محمد الخامس لخيرية عين الشق، نهاية الخمسينات، فاقترح تسميتها “دار أولاد المخزن” بدلا من اسم “الجمعية الخيرية الإسلامية”، إلا أن هذا المطلب لم يجد صدى لدى حزب الاستقلال في شخص علال الفاسي والحاج عابد السوسي وآخرين الذين فصلوا أن تظل الخيرية مرفقا مستقلا عن المخزن وأجهزته، خاصة أن حزب الاستقلال اتجه بدوره لتأسيس جمعيات خيرية والإشراف عليها.
ولعبت خيرية عين الشق أدوارا متعددة، على امتداد تاريخها، منها تحولها إلى مرفق لتدبير الأزمات الطارئة، كما حدث سنة 1960 حين اهتزت أكادير على وقع زلزال عنيف راح ضحيته آلاف القتلى ومثلهم من المشردين واليتامى، فتم نقل الكثيرين منهم إلى عين الشق، حيث تولى الحاج عابد السوسي أمر الإشراف عليهم، واستنجد في ذلك بالأميرة عائشة التي زارت هؤلاء من أجل تدبير موارد مالية إضافية للعناية بهم وتخصيص جناح لهم.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


زر الذهاب إلى الأعلى
Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

مانع إعلانات!!!

أنتم تستخدمون ملحقات لمنع الإعلانات. يرجى تعطيل مانع الإعلانات لتصفح الموقع.