ملف الصباح

انفتاح واسع للمجتمع على الطب النفسي

زيارة الطبيب النفسي كانت كافية لينعت المريض بالمجنون ويعزل اجتماعيا

قبل سنوات كان الذهاب إلى طبيب نفسي يعني الانتحار اجتماعيا، يعني إلصاق تهمة “الحمق” و”الجنون” بجبين زائر عيادة الطبيب النفسي، بل حتى الأخير كان ينعت بالأوصاف نفسها. وإلصاق يافطة الحمق بأحدهم، تعني في الوسط المجتمعي المغربي نهاية فرصه في عيش حياته بشكل طبيعي، نهاية فرصه في الاندماج في المجتمع الذي يغلق فجأة دائرة ويطرد خارجه هذا “المجنون”، نهاية حقه في الزواج، في تكوين أسرة، إذ ترفض كل الأسر تزويج بناتها للمجنون أو العكس، نهاية أيضا فرصة في العمل، وفرصة في الحظو بأصدقاء، بالانخراط في حديث ثنائي مع الآخرين، إذ كل ما يمكن أن يصدر عنه يقحم مباشرة في خانة أفعال “الحماق”.
وهذا ما تؤكده عدة شهادات لمغاربة عاشوا تجربة مماثلة، وتخلصها والدة شاب أصيب بحالة اكتئاب شديدة نتيجة تعاطيه المخدرات، قبل أن ينقله والداه إلى جناح الأمراض العقلية والنفسية لمحاولة علاجه من مرضه، لتفاجأ الأسرة بما يدور من أحاديث ثنائية عن إصابة الشاب ب”الحمق” وبمحاولته قتله أفراد عائلته أو القيام بأعمال جنونية، رغم أن حالة الشاب لم تكن تستدعي إلا علاجه من الإدمان والانتظام في تناول الأدوية ليعود إلى طبيعته، وإن كان تجاوب في العلاج والتكيف مع حياته الجديدة بدون مخدرات، وفتحت أمامه أبواب الأمل من جديد، فإن نظرات الآخرين وهمسهم وتجنبهم إياه أعاد الشاب إلى حالته الأولى، لو لا أن أسرته فكرت في الانتقال إلى مدينة أخرى حيث لا يعرفها أحد، وحيث يمكن لابنها الاندماج من جديد في المجتمع.
حالة شابة أخرى أصيبت بمرض نفسي نتيجة وفاة والدها منتحرا، وواظبت على زيارة طبيب نفسي قبل أن يشيع الخبر وسط الحي، لتنعت الشابة بالحمق، ولتنساب إشاعات عن محاولتها هي الأخرى الانتحار، ورغم أن الشابة استعادت صحتها النفسية بمرور الوقت وبانتظامها على زيارة طبيبها النفسي، إلا أن سكان الحي أشهروا في وجهها العزلة، وعزفت صديقاتها عن زيارتها وعن التحدث إليها إلا عرضيا، قبل أن تقرر والدتها هي الأخرى تسفيرها إلى الخارج لتتابع دراستها الجامعية وتبتعد عن نظرات المجتمع القاسية.
الوضع اختلف منذ بضع سنوات، حيث أصبح المجتمع أكثر انفتاحا على دور الطب النفسي وأهميته القصوى، لصحة نفسية جيدة، وأصبح أعداد الذين يطرقون أبواب عيادات الطب النفسي يتكاثرون، بل أصبح هؤلاء يتحدثون عن تجاربهم ويتبادلون أرقام وعناوين العيادات، ووضع الطبيب النفسي في المرتبة نفسها لطبيب المعدة أو الرأس أو أي اختصاص آخر، والقليلون فقط مازالوا يحتفظون بالنظرة الدونية إلى المرضى النفسيين، إلا أن موقفهم لا يغير شيئا أمام تزايد أعداد المغاربة الذين يزورون الطبيب النفسي، ولو لحصة واحدة يتخلصون خلالها من ضغوطاتهم النفسية وينفسون ما تراكم بدواخلهم.

ضحى زين الدين

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق