ملف الصباح

النظرة السلبية إلى المريض آفة المجتمع

الطب النفسي بدأ من لا شيء في أعقاب الاستقلال وتطور تدريجيا في بيئة صعبة

أكدت البروفيسور نادية القادري، الطبيبة النفسانية، والأستاذة في الصحة الجنسية بكلية الطب والصيدلة بالدار البيضاء، والمسؤولة عن الدبلوم الجامعي في الصحة الجنسية، أن الطب النفسي

في المغرب، على غرار الاختصاصات الطبية الأخرى بدأ من لا شيء تقريبا في أعقاب الاستقلال، وتطور تدريجيا في بيئة صعبة.

أشارت البروفيسور نادية القادري، في لقاء مع “الصباح” أنه رغم العديد من القيود التي تواجه الصحة العامة والأولويات المحددة لبلد نام كالمغرب، شهد الطب النفسي في العقود الأخيرة، تقدما مهما إذ تم تبني خيارات تهدف إلى تعزيز تطوير طب نفسي مفتوح يركز على تتبع المرضى داخل بيئتهم ومحيطهم العائلي، وإنشاء وحدات نفسية صغيرة أو الخدمات النفسية الملحقة بالمستشفيات العمومية، وتطوير التكوين وإعادة التكوين وتدريب المهنيين والمساعدين الطبيين. وإعطاء دفعة كبيرة لدمج الرعاية النفسية في شبكة الرعاية الصحية الأساسية في معظم مناطق المغرب، سواء الحضرية أو القروية.
وأشارت القادري إلى أن الطب النفسي المغربي سلك منذ البداية حتى الآن طريقا حديثة رغم التأثيرات البيئية المحيطة.
وفي السياق ذاته ترى الطبيبة النفسانية، والأستاذة في الصحة الجنسية بكلية الطب والصيدلة بالدار البيضاء، والمسؤولة عن الدبلوم الجامعي في الصحة الجنسية، أن الأمراض النفسية في المغرب في تطور مستمر، رغم قلة الإمكانيات والمناهج، بدليل أن عدد الأطباء النفسانيين انتقل من طبيب واحد سنة 1960، إلى 400، حاليا.
وتعتبر القادري النظرة السلبية للمجتمع نحو المرضى من الأولويات من أجل تغييرها من خلال التخلص من وصمة العار، التي تصيب المرضى، كإحساس يحد من التقدم في احتواء المشاكل المترتبة عن الأمراض النفسية.
وتضيف قادري أن الناس يخافون من المرضى النفسانيين، ويقرنون المرض العقلي بالعنف، كما تزيد المعتقدات الشعبية المترسخة من هول هذه الأمراض.
وكانت دراسة وطنية شملت عينة تضم 6 آلاف فرد، همت انتشار الاضطرابات النفسية عند عموم المغاربة، ونشرت أخيرا في المجلة الطبية الرصينة “أكتا بسيكياتريكا سكوندينافيكا”، أبرزت أن أكثر من نصف العينة (53.2 في المائة) تعاني اضطرابا عقليا لدرجات متفاوتة.
واعتبرت الدراسة الوصفية والتحليلية، الخلل الاكتئابي الأكثر شيوعا من بين الاضطرابات جميعها، إذ هم ربع العينة (26.5 في المائة).
وجاء في الدراسة غير المسبوقة التي أشرفت عليها البروفيسور نادية قادري أن اضطرابات الاكتئاب تعد الأكثر انتشارا من بين الاضطرابات النفسية بنسبة 26.5 في المائة، وتصيب الإناث أكثر من الذكور والحضريين أكثر من القرويين. كما تم رصد مظهر واحد على الأقل من اضطرابات القلق عند 37 في المائة من الأفراد المشكلين للعينة.
وخلصت الدراسة إلى أن الاضطرابات المرتبطة بإدمان الكحول والمواد المتصلة بها أكثر شيوعا عند الرجال منها عند النساء، كما أن الاضطرابات المتعلقة بتعاطي المخدرات منتشرة في المناطق الريفية مقابل الكحول في المناطق الحضرية.
واعتبرت الدراسة الخلل الاكتئابي الأكثر شيوعا من بين الاضطرابات جميعها، إذ هم ربع العينة (26.5 في المائة) فيما أبرزت دراسات أخرى حول العالم أن أعراض الاكتئاب تنتشر في المجتمعات بمعدل يتراوح ما بين 13 و20 في المائة من السكان، من بينهم 7 في المائة يعانون حالات اكتئاب شديدة.
وهذه الدراسات شملت العديد من الدول في العالم وأبرزت أن معدلات الاكتئاب تتفاوت بينها، لكنها مرتفعة وقد يكون المعدل في العالم العربي على الحد الأدنى لأنه يقع في مناطق أكثر تعرضا لأشعة الشمس، وما زال فيه من الروابط الاجتماعية والتقاليد ما يعطي بعض الحماية للناس، ومع أنه يصيب كل الأعمار لكنه أكثر ظهورا في العقد الثالث والرابع من العمر، وهي قمة سنوات العطاء عند الفرد.
وشملت الدراسة، التي أشرفت عليها البروفيسور قادري وساهم في إنجازها ممارسون في القطاع العام على أساس تطوعي، عينة تمثيلية من السكان في جميع أنحاء المغرب بلغ حجمها 6000 فرد، تبلغ أعمارهم 15 سنة أو أكثر من كلا الجنسين، منتقاة من كل العمالات والأقاليم.
وتروم نتائج الدراسة تسليط الضوء على مدى انتشار الاضطرابات النفسية بين عامة السكان في المغرب، وتقييم مدى انتشارها وتحديد الاضطرابات النفسية الأكثر شيوعا مثل “اضطرابات المزاج” و”اضطرابات القلق”، والاضطرابات المتعلقة بتعاطي الكحول والمواد المخدرة.
واعتبر الأطباء هذه الدراسة بمثابة دعوة إلى إقامة حوار وطني يضم جميع الفاعلين في مجال الصحة النفسية من أجل تحسين الرعاية الصحية للأمراض العقلية. والعمل على إشراك العديد من المتدخلين مثل المدرسين ووسائل الإعلام… في السياسة الوقائية.

جمال الخنوسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق