ملف الصباح

طب الإدمان وجه آخر للصحة النفسية

شباب من مختلف الأعمار يقاومون الإدمان بالعلاج الطبي والنفسي

كانت عقارب الساعة تقترب من العاشرة صباحا، امرأة في الأربعينات تقف أمام موظفة الاستقبال تسرد عليها الأعراض التي يعانيها ابنها المدمن على المخدرات، بعد عدة أسئلة

بسيطة حول السن وبعض المعطيات الشخصية أعطتها الموظفة موعدا الثلاثاء المقبل لجلبه إلى مركز محاربة الإدمان من أجل عرضه
على الأطباء الذين سيعملون على تشخيص حالته ودرجة إصابته قبل وصف العلاج المناسب.

في قاعة الانتظار الضيقة التي وضع فيها عدد محدود من الكراسي ينتظر المرضى المدمنون وأفراد عائلاتهم، المحظوظون منهم استطاعوا العثور على مقعد يخفف عنهم وطأة الانتظار الذي يمكن أن يطول أكثر من ثلاث ساعات قبل رؤية الطبيب، أما الآخرون الأقل حظا فيضطرون إلى افتراش الأرض في انتظار دورهم، كثيرون منهم، خاصة المدمنين على الأقراص المهلوسة ينتظرون دورهم بقلق بالغ ممزوج بعبارات الاحتجاج على ذويهم الذين أصروا على عرضهم على مصحة بعد أن عجزوا عن مساعدتهم على التوقف عن المخدرات.  
الأمر اللافت للانتباه أن أغلب مرتادي المصحة من المراهقين والأطفال الذين منهم من لم يتجاوز 12 سنة، إضافة إلى شباب تغلب إدمان المخدرات على إرادتهم التي وصلت حدا أصبح معه تلقي المساعدة الطبية ضرورة ملحة للعلاج.

الطب النفسي أساس العلاج
يقوم العلاج داخل مركز محاربة الإدمان بالدار البيضاء بعد تشخيص طبيعة الحالات على جانب طبي يتولاه أطباء مختصون في طب الإدمان يصفون للمدمنين أدوية تساعدهم على الإقلاع عن المخدرات التي يتعاطونها، إضافة إلى جانب نفسي يقوم على علاج المشاكل النفسية التي تسببت في الإدمان أو التي تسبب فيها الإدمان على المخدرات.  
وتؤكد الدكتورة ليلى الشرقاوي الأخصائية النفسية بمصلحة معالجة الإدمان بمصحة الاستشفائي ابن رشد بالدار البيضاء، أن الإدمان يمكن أن يكون مقترنا بالمرض النفسي، وأضافت في تصريحات لـ”الصباح” أن الإدمان أصبح تخصصا أثبت ذاته بعد أن كان مرتبطا بالطب النفسي من قبل.
وأشارت الدكتورة الشرقاوي إلى أن طب الإدمان أخذ ينتشر بالمغرب خلال السنوات الأخيرة عبر فتح مركز متخصص بكل من الدار البيضاء والرباط بسبب الاهتمام المتزايد، وأضافت أن دورها، بصفتها أخصائية نفسية بمصحة، يتمثل في التتبع النفسي للمريض المدمن.
كما تعتبر الدكتورة الشرقاوي أن دورها يقوم على حصص من العلاج النفسي وحصص استماع للمحيط العائلي للمدمن، إضافة إلى حصص علاج خاصة بالعلاج النفسي الجماعي تضم مجموعات من المدمنين حول مواضيع إثبات الذات والطرق التي يمكن أن يثبت بها المدمن ذاته داخل المجتمع واستراتيجية تعامل المدمن مع الحياة، وكيف يتصالح هذا الأخير مع محيطه العائلي ويندمج داخل المجتمع ويبحث عن عمل ويكون له هدفه الخاص داخل الحياة يسعى إلى تحقيقه.
ويقوم العلاج الذي تتبعه الدكتورة الشرقاوي مع مرضاها من المدمنين تكوين مجموعة من حلقات النقاش الجماعية التي يتم خلالها اختيار موضوع معين وتجعلهم يتحدثون من أجل البحث عن حلول لمشاكل بعضهم ومساعدة الآخرين خلال الجلسة. مضيفة أن المقابلات الفردية التي تجريها مع المرضى المدمنين تسعى إلى توجيه المريض لحل مشاكله النفسية المرتبطة بالإدمان أو الناتجة عنه عبر مساعدته على تقوية إرادته وتمكين المرضى الذين تجاوزوا مرحلة الإدمان على تثبيت هذه النتيجة وعدم العودة إليه والاستمرار في العيش دون مخدر.    
وتعتبر الدكتورة الشرقاوي أن ظاهرة الإدمان مشكل متعدد الأبعاد يساهم فيه ما هو نفسي واجتماعي وعائلي، ويجب التعرف على جميع هذه المشاكل وحلها من أجل التغلب عليه، لأن علاجه ليس أحاديا بل متعدد الأبعاد كذلك.

طلب متزايد رغم الإكراهات
عرف مركز محاربة الإدمان بالدار البيضاء إقبالا كبيرا على العلاج من طرف المدمنين المنتمين إلى مختلف الشرائح الاجتماعية خلال الأسبوع الجاري بعد ظهور برنامج حول كيفية عمل المصلحة، إذ أصبحت تتلقى طلبات للعلاج من قبل المدمنين تتجاوز قدراتها. وتعاني المصلحة خصاصا كبيرا على مستوى الموارد البشرية خاصة الأطباء والممرضين أمام تزايد الطلب على الخدمات التي تقدمها المصلحة والتي تتجاوز الإدمان على المخدرات كالحشيش والقرقوبي والكوكايين والهروين إلى الإدمان السلوكي على القمار أو الكذب، أو غير ذلك من السلوكات الشاذة التي يسعى المريض إلى التخلص منها. رغم أن المركز يتلقى أعدادا متزايدة من المدمنين على المخدرات الذين غالبا ما تكون مبادرة زيارة المصلحة صادرة عن عائلتهم التي تعمل على زيارتها والتعرف على طريقة العلاج قبل قدوم المريض الذي غالبا ما تكون حالته النفسية هشة وينتظر من العاملين في المركز إعادة الثقة إليه في إمكانية نجاح علاجه وتماثله إلى الشفاء.     

معطيات تقنية
فتحت مصلحة طب الإدمان أبوابها شهر شتنبر 2009، وتبلغ طاقتها الاستشفائية 3285 ليلة في السنة و8000 كشفا طبيا في السنة، وتروم التحسيس بمخاطر تعاطي المخدرات والوقاية منها وتطوير البحث العلمي في مجال محاربة الإدمان.
وتضم المصلحة، التي شيدت على مساحة تبلغ نحو ألف متر مربع، طابقا سفليا يشمل قاعة متعددة الاستعمالات، وثلاث قاعات للفحص والكشف، وثلاث قاعات للعلاج النفسي، وقاعة للتمريض، وإدارة، وقاعة للمساعدة الاجتماعية، وبهو للاستقبال. ويحتوي الطابق الأول على سبع غرف للاستشفاء ومقصف وقاعة للتمارين البدنية، فيما يضم الطابق الثاني قاعة للألعاب والعلاج المهني، وأخرى للاجتماعات، وخزانة، وثلاثة مكاتب للأطباء، ومقصفا. وتم بناء هذه المصلحة من طرف مؤسسة محمد الخامس للتضامن بغلاف مالي بلغ 5.5 ملايين درهم، فيما سيتولى مصحة الاستشفائي الجامعي ابن رشد تزويدها بالموارد البشرية، فيما تتكفل جمعية النسيم بضمان تأمين عمليات مواكبة المرضى والأنشطة التحسيسية.

إسماعيل روحي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق