ملف الصباح

ابتسامات عريضة وأقنعة للزوار في عيادات الطب النفسي

بعض الأطباء النفسانيين يجسدون الصورة نفسها التي في مخيلة المغاربة

غير مبال بملابسه ولا بتناسق ألوانها، كثير الحركة عريض الابتسامة، غير مهتم بما يمكن أن يقوله الناس حول طريقة كلامه أو تصرفاته، المهم أنه مرتاح وراض عما يقوم به. هذه بعض النقط التي يمتاز بها بعض الأطباء النفسانيين المغاربة، وهي الصورة

ذاتها العالقة في مخيلة بعض المغاربة، الذي يتصورون أن الطبيب النفساني يتمتع بشخصية مختلفة عن باقي أطباء الاختصاصات الأخرى.  «الصباح» زارت عيادة طبيب نفساني بالدار البيضاء للاقتراب أكثر من طريقة تعامل هؤلاء الأطباء مع مرضاهم، وطبيعة عملهم.

أخذ موعد مع طبيب نفساني لم يكن أمرا سهلا، فبعد إجراء العديد من الاتصالات كانت كاتبات الأطباء يؤكدن فيها أن من الصعب لقاء الطبيب إلا بعد أسبوعين تقريبا، فيما تقول أخريات إن الطبيب في مهمة خارج المغرب، الأمر الذي يوضح أن الإقبال على هذه الفئة من الأطباء، كبير.
كانت الساعة تشير إلى 12 زوالا، بإحدى العمارات بشارع المعاريف، هنا تقع عيادة الطبيب النفساني. أول ما يثير الانتباه بعد دخول العيادات، عدد الأشخاص الذين تختلف أعمارهم، ينتظرون بقاعة مظلمة تتوسطها طاولة بها كتب ومجلدات، ينظرون لكل من دخل العيادة بنظرة استغراب وتخوف في الوقت الذي خيم فيه الصمت على المكان.
أول ما يثير الانتباه بعد دخول مكتب الطبيب، حركات الأخير وابتسامته العريضة، التي تصبح في غالب الأحيان مصطنعة، بالإضافة إلى طريقة لباسه وألوانه غير المتناسقة، إلى جانب وضع بعض الديكورات في غير مكانها، واللامبالاة في ترتيب كتبه وأشياء أخرى وضعها على مكتبه.
قبل أن يتفوه الطبيب بأي كلمة، يشير إلى كرسي بأحدى زوايا المكتب، بالقرب منه طاولة صغيرة عليها مناديل ورقية، ثم يبدأ بإطلاق ابتسامته العريضة وكأنه يحاول أن يؤكد للمريض أن صدره منشرح للاستماع إلى شكواه ومعاناته، وأنه من الأشخاص الذين يتكتمون على أسرار المرضى.
وبعد أن يأخذ المريض مكانه يجلس الطبيب بكرسي بالزاوية المقابلة، يفصل بين الاثنين أقل من متر واحد، يبدأ في طرح الأسئلة المتعلقة باسم وهوية وسن المريض، وبعد أن يدون تلك المعلومات ويطوق المريض بنظاراته إلى جانب ابتسامة خفيفة، يظل في صمته 5 دقائق تقريبا، ثم يبدأ من جديد بطرح الأسئلة على المريض، الذي تضغط عليه الأسئلة أخرى، متسائلا عن ما يمكن أن يحدث بعد تلك النظرات وعن ما وراء تلك الابتسامة العريضة، سيما إذا كانت أول زيارة له لطبيب نفساني. وكيفما كانت أجوبة المريض المتعلقة بسبب زيارة الطبيب النفساني، فإن الأخير يبدي اهتماما بالسبب، قبل أن يدون كل كلمة يقولها المريض وكأنه يتحدث عن أمر مهم يتطلب تدوينه والرجوع إليه في ما بعد.
وخلال الحوار ذاته، يبدأ الطبيب بتقديم التفسيرات التي تجعل المريض يزور الطبيب النفساني، وكأنه يحاول أن يمحو الفكرة التي يتبناها العديد من المغاربة، والمتعلقة بأن الأشخاص الذي يعانون أمراضا نفسية خطيرة هم فقط من يجب أن يستشيروا هذه الفئة من الأطباء، مؤكدا أن الكثير يزورون العيادات للوقاية من الضغوطات اليومية، أو الاضطرابات النفسية من كل فئات المجتمع، بما فيها الفئة الفقيرة وفئة الأميين أيضا، وهو ما يعني حسب المتحدث أن نظرة الناس إلى العلاج النفسي تغيرت بشكل ظاهر لدى فئة كبيرة.
وفي حديثه أيضا، يحاول الطبيب أن يؤكد أن النظرة السلبية للمجتمع تجاه الشخص الذي يزور طبيبا نفسانيا بدأت تتغير، وصار الناس يقبلون على هذه العيادات عكس السابق.
وقبل أن ينتهي من الحديث، ينهض بصورة مفاجئة ويتجه صوب مكتبه ويبحث عن قناع للبهلوان، يطلب من المريض أن يضعه ويخرج إلى قاعة الانتظار حيث ينتظر عدد كبير دورهم لملاقاة الطبيب، باعتبار أنه اختبار يخضع له كل من زار عيادته، وفي حالة إذا رفض المريض الأمر، يبدأ في سرد قصص، ويحاول أن يفهم المريض بأن من الضروري أن يظهر المريض بالطريقة التي تسعده ويرتاح لها، مشيرا إلى طريقة لباسه وإلى تسريحة شعره وأيضا إلى طريقة كلامه.
وبعد جلسة يمكن أن تدوم نصف ساعة تقريبا، يصمت الطبيب وهو ينظر إلى ما دونه، وكأنه توصل إلى اكتشاف مهم، رغم أنه تحدث في أغلب الأحيان عن حياته وعن تجربته خارج المغرب وعن واقع الطب النفسي في المغرب، وأنه تحدث أكثر من المريض الذي قصده لحل مشكلته النفسية، ليقرر في نهاية المطاف أن المريض يحتاج إلى مجموعة من الحصص، وأن من الضروري أن يزوره الأسبوع المقبل ليخرجه من حالته المرضية، وإلا فإن حالته ستتفاقم أكثر.

إيمان رضيف

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق