fbpx
منبر

أيلال: النص الديني غامض في تحديد الغلمانية

أيلال قال إن من الصحابة مخنثون والمجتمع الإسلامي كان متسامحا مع الظاهرة

قال الباحث رشيد أيلال إن موضوع الغلمانية في النص الديني ظل يلفه الغموض، إلا أن التفاسير اختلفت في درجة التعاطي مع الموضوع. وتحدث الباحث عن تغلغل الظاهرة في المجتمعات الإسلامية الأولى، وأشياء أخرى تجدونها في الحوار التالي.

أجرى الحوار: عزيز المجدوب

طرح قضية الغلمان أو “الولدان المخلدون” الواردة في القرآن إشكالا ظاهريا مرتبطا بالتشجيع على المثلية الجنسية التي ورد تحريمها في موضع آخر منه.. ما تعليقك؟
رغم أن كلمة غلمان في القرآن لم ترد إلا مرة واحدة، وكلمة ولدان وردت مرتين ووصف الولدان خلالهما بأنهم مخلدون في الجنة، إلا أنه لم يرد أبدا في القرآن بأن هؤلاء ذكروا في معرض الاستمتاع الجنسي، بل ورد ذكرهم في سياق خدمة أهل الجنة، وحتى المفسرون القدامى لم يقولوا بذلك، وإن كان بعضهم لمح للاستمتاع الجنسي، حيث ورد في تفسير القرطبي بأن هؤلاء الولدان المخلدين في الجنة يضعون أقراطا في آذانهم وأساور في أيديهم وهذا من الحلي النسائي لدى العرب وكثير من الأجناس، وفيه تلميح من قائل هذا الكلام على أن هناك تشابها بين النساء وبين هؤلاء الغلمان، كما بالغ المفسرون في وصف جمال وبياض هؤلاء الولدان، بشكل غريب، ومنهم من قال إن الله يجعل لكل رجل من أهل الجنة ألفا من هؤلاء الغلمان، وهنا أتساءل ماذا سيفعل الشخص في الجنة بألف من الغلمان في خدمته؟

هل تمت إثارة الموضوع؟
بعض المعاصرين كمحمد جلال كشك في كتابه “خواطر مسلم في المسألة الجنسية” الذي أثار جدلا كبيرا عند صدوره، اعتبر بشكل واضح أن الغلمان خلقهم الله تعالى لأصحاب الميولات الجنسية المثلية، وهذا نعيمهم في الجنة، وهو الاستمتاع الجنسي بالولدان المخلدين فيها، نظير صبرهم على ميولاتهم بهذا الشأن في الدنيا، وهو ما وصل إليه الكاتب هشام حتاتة أيضا ووافق على المعنى الذي ذهب إليه كشك. بينما رأى آخرون بأنه كما خلق الله الحور العين للذكور قصد الاستمتاع الجنسي فأيضا خلق الغلمان المخلدين لمتعة نساء الجنة الجنسية. الحقيقة أن النص القرآني لم يصرح بهذا ولا ذاك، وإنما هو التأويل الذي قد يكون نتاج هوى لدى المؤول.

ما الحكمة من استحضار الغلمان في النص القرآني؟
بما أن ذكر الغلمان والولدان من نعيم أهل الجنة، وأنهم يطوفون بأكواب وأباريق على أهلها، أي أنهم يكونون في خدمة أهل الجنة، وبما أنه لم ترد أي معلومات تفصيلية حول جنس هؤلاء الغلمان، ولا طبيعتهم، ولا أي شيء غير أنهم كاللؤلؤ المنثور، فالحديث عن الحكمة من إيراد ذكرهم في القرآن، ستكون ضربا من الرجم الغيب، حيث أن العلة الواردة بشكل واضح هي خدمة أهل الجنة فقط، وبالتالي أمر الحكمة من ذكرهم، قد تكون هي الترغيب في الجنة، وهذا أراه الأقرب إلى الصواب، غير أن الإشكال يرد في أنهم غلمان أي صغار السن، وإذا كان ذلك كذلك فلماذا يرد في القرآن شيء يعتبر في عصرنا على الأقل غير مقبول، وهو تسخير القاصرين في خدمة الكبار ؟ !

هل يمكن أن نتحدث عن منظومة فقهية خاصة بالغلمان؟
تحاشى الفقهاء منذ القدم الحديث عن الغلمان، واكتفوا بتحريم المثلية الجنسية بشكل قطعي، غاضين الطرف عما كان يعج في بلاط الخلفاء الأمويين والعباسيين من غلمان، غير أن تسريبات وصلتنا من خلال بعض كتب الحديث بأنه كان من الصحابة مخنثون، حيث ورد في صحيح البخاري عن أم سلمة: أن النبي صل الله عليه وسلم كان عندها وفي البيت مخنث، فقال المخنث لأخي أم سلمة عبد الله بن أبي أمية: أن فتح الله لكم الطائف غدا، أدلك على ابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال النبي صل الله عليه وسلم:” لا يدخلن هذا عليكم”
وجاء في نيل الأوطار للشوكاني كتاب النكاح (قوله: (مخنث) بفتح النون وكسرها والفتح المشهور، وهو الذي يلين في قوله، ويتكسر في مشيته، ويتثنى فيها كالنساء، وقد يكون خلقه وقد يكون تصنعا من الفسقة، ومن كان ذلك فيه خلقة فالغالب من حاله أنه لا إرب له في النساء، ولذلك كان أزواج النبي (ص) يعددن هذا المخنث من غير أولي الإربة، وكن لا يحجبنه إلا إن ظهر منه ما ظهر من هذا الكلام، واختلف في اسمه، فقال القاضي: الأشهر أن اسمه هيت بكسر الهاء ثم تحتية ساكنة، ثم فوقية، وقيل: صوابه هنب بالنون والباء الموحدة، قاله لابن درستويه، وقال: إن ما سواه تصحيف، وإنه الأحمق المعروف، وقيل: اسمه ماتع بالمثناة فوق مولى فاختة المخزومية بنت عمرو بن عائد….) وروى البيهقي بأنه كان في المدينة على عهد الرسول ثلاثة من المخنثين وذكر أسماءهم وهم: (ماتع وهدم وهيت) كما أشار إلى الموضوع نفسه ابن حجر العسقلاني في كتاب “الإصابة في تمييز الصحابة”.

هل يتم تدريسه؟
في الأزهر يدرس كتاب “الإقناع لطالب الانتفاع”، لشرف الدين موسى بن أحمد بن سالم أبى النجا الحجاوى المقدسى (895 – 968ه)، المقرر على طلاب المعاهد الثانوية الأزهرية حيث يرد في هذا الكتاب بعض الأحكام الفقهية الجنسية المتعلقة بالغلمان فنجد على سبيل المثال للحصر: “ويجوز النظر إلى الغلام لغير شهوة، ما لم يخفْ ثورانها، فيحرم إذا كان مميزًا (يعنى يحرم النظر إلى الولد الجميل). وأضاف (ويحرم النظر إلى أحد منهم بشهوةٍ أو خوفِهَا، نصًّا./ ولمسٌ كنظرٍ، وأولى. ومعنى الشهوة التلذذ بالنظر. ولا يجوز النظر إلى الحرة الأجنبية قصدًا، ويحرم نظر شعرها لا البائن (أي الذي انفصل عنها)، وتقدَّمَ فى السواك./ وصوتها ليس بعورة، ويحرم التلذذ بسماعه ولو بقراءة، ويحرم النظر مع شهوة تخنيث وسحاق، ودابَّةٍ يشتهيها ولا يعفُّ عنها، وكذا الخلوة بها./ وتحرم الخلوة لغير محرم على الكل مطلقًا، كخلوته بأجنبية ولو رتقاء فأكثر، وخلوة أجانب بها، وتحرم بحيوان يشتهى المرأة أو تشتهيه، كالقرد. وقال الشيخ: الخلوة بأمرد حسنٍ ومضاجعته كامرأةٍ، ولو لمصلحة تعليم وتأديبٍ. والمُقر مولاه عند من يعاشره كذلك، ملعونٌ ديوثٌ./ ومن عُرِفَ بمحبتهم ومعاشرةٍ بينهم، منع من تعليمهم. وقال أحمد لرجل معه غلامٌ جميلٌ، هو ابن أخته: الذي أرى لك ألا يمشى معك فى طريق (أي أن أحمد استحسن ألا يمشى الرجل مع ابن أخته في طريق خوفًا من الإثارة الجنسية وحدوث المعاشرة) !.

إلى أي حد ساهم المتن الفقهي في انتعاش هذه الظاهرة خلال حقب معينة من تاريخ الإسلام؟
كما أسلفنا فإن وجود نصوص الغلمان والمثلية الجنسية في النص الديني، والتفاسير الملمحة لهذا النص حول جواز الاستمتاع بها، وأن مجتمع الرسول بل الرسول نفسه كانوا متصالحين مع هذه الظاهرة، كل ذلك شجع تفشي هذه الظاهرة في المجتمعات المسلمة حتى في صدر الإسلام الأول، وقد وصلنا الكثير من القصص والأشعار حتى في بلاط الخليفة عن عشق الغلمان وحبهم والتغزل بهم.

وماذا عن العصور الأخرى؟
في العهد العباسي أصبح عادة شراء الغلمان والاستمتاع بهم والوقوع في حبهم ظاهرة واسعة الانتشار ولم تقتصر على أغنيائهم بل تعدت ذلك إلى الخلفاء حيث كان الأمين أوّل من اشتهر بعشيقه الغلام كما أورد الطبري في تاريخه.
كما عرف عن الخليفة المتوكل بأنه كان مغرما بغلام اسمه “شاهك”، وله أبيات غزل وتوله فيه، وعرف الخليفة المعتصم بشراء الغلمان. يقول مروج الذهب: “كان المعتصم يحب جمع الأتراك وشراءهم من أيدي مواليهم، فاجتمع له منهم أربعة آلاف، فألبسهم أنواع الديباج والمناطق المذهبة والحلية المذهبة، أما قصة الخليفة الواثق مع غلامه المصري مهج فمشهورة جدا، حتى كان هذا الخليفة يموت هما وكمدا إذا ما غضب عليه مهج، وبهذا يمكن القول بأن ظاهرة الغلمان تجاوزت النص الديني لتصبح ظاهرة متأصلة في كل طبقات المجتمع المسلم منذ صدر الإسلام، وكان المجتمع متصالحا معها، رغم أن الفقيه ظل في خصام خجول معها.

في سطور:
< من مواليد مراكش.
< كاتب وباحث في نقد التراث الديني وعلم مقارنة الأديان.
< من مؤلفاته “صحيح البخاري.. نهاية أسطورة”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى