منبر

قراءة اقتصادية في أحداث تونس

حين أصبحت البطالة بين الجامعيين مشكلة مزمنة تجاوز معدلها 25 في المائة من الخريجين، دقت المنظمات الدولية جرس الإنذار، ولكن هذا الإنذار لم يُفهم إلا بعد فوات الأوانمن الخطأ اختزال أي حدث مهم في البعد الاقتصادي، أو أي بُعد آخر، بل إن من السابق لأوانه تحديد جميع الأبعاد لما حدث في تونس خلال الأسابيع الماضية، فلم يتفق المحللون بعد على توصيفه، هل هو أزمة، أم «هبة» بلغة إخواننا التوانسة، أم ثورة؟ وإذا كانت ثورة، فهل هي ثورة الياسمين؟ أم هي ثورة على غرار ما حدث في دول أوربا الشرقية؟ ومهما يكن الحكم النهائي، فمن الواضح أن هناك أبعاداً سياسية واجتماعية وأمنية واقتصادية لهذا الحدث التاريخي.
وسأتحدث عن أحد هذه الأبعاد، وهي بطالة الخريجين، وكيف أسهم الفشل في حلها في تأجيج الثورة. فقد كانت الشرارة التي بدأت الاحتجاجات الشعبية في تونس هي إشعال محمد البوعزيزي، ذي الستة وعشرين ربيعاً، النار في جسده الشاب النحيل، في 17 دجنبر 2010، احتجاجاً، على عطالته عن العمل منذ تخرجه من الجامعة، وحين حاول كسب رزقه عن طريق عربة خضار، صادرتها البلدية وحين احتجّ على هذا القرار قوبل بالضرب والإهانة.
وتوفي البوعزيزي بعد أسبوعين متأثراً بحروقه، مما أجج الاحتجاجات الشعبية، وجعله رمزاً للحرمان والقهر الذي يحس به الكثيرون في تونس. كان البوعزيزي واحداً من مئات الآلاف من الجامعيين التونسيين العاطلين عن العمل.
فرغم الأداء الجيد للاقتصاد التونسي خلال العقد الماضي، إذ بلغ معدل نموه في المتوسط 5 في المائة سنوياً (بالأسعار الثابتة)، وتضاعف دخل المواطن التونسي ليبلغ نحو (9000) دولار في عام 2010، وحافظ على استقرار مالي واقتصادي ودعم مستمر من المنظمات الاقتصادية الدولية والدول الغربية، وقفزت مستويات التعليم والعناية الصحية قفزات كبيرة.
وتميزت الإدارة الاقتصادية في تونس أيضاً بالاستقرار، فالوزير الأول (رئيس الوزراء الحالي يُعتبر مهندس الاقتصاد التونسي منذ فترة الثمانينات).
ورغم هذه المعطيات الإيجابية، فإن الحكومة لم تتمكن من تخفيض البطالة، وأصبحت مرضاً مزمناً يتفاقم عاماً بعد عام، خاصة بين خريجي الجامعات. ونلاحظ أن المنظمات الاقتصادية الدولية، عاماً بعد عام، في الوقت نفسه الذي تُثني فيه على أداء الاقتصاد التونسي، تحذر من الفشل في معالجة هذه المشكلة، إلى أن أصبحت عاملاً هاماً في تأجيج الثورة.
وتستغرب حين تستعرض هذه التقارير كيف لم يستمع صانع السياسة الاقتصادية في تونس إلى نصائح هذه المنظمات، فقد أشار البنك الدولي في تقرير له في شهر شتنبر الماضي إلى أن معدلات البطالة قد بلغت 30 في المائة لفئة الشباب (20-24 عاماً)، وتجاوزت 25 في المائة بين خريجي الجامعات، أي مثل الشاب محمد البوعزيزي. وأشار إلى خلل هيكلي في الاقتصاد يؤدي إلى زيادة البطالة بين المتعلمين، وهي أن الصناعات التي اختارتها تونس نوعان:
النوع الأول يتطلب مهارات عالية جداً بأعداد قليلة، والنوع الثاني لا يتطلب أية مهارات. وفي كلتا الحالتين لا يستطيع خريجو الجامعات الحصول على عمل.
وفي تقرير شبيه لصندوق النقد الدولي، صدر في أكتوبر، قال الصندوق إن التحدي الذي يواجه الاقتصاد التونسي هو البطالة، التي ارتفعت من 12.7 إلى 13.3في المائة، وذكر على وجه الخصوص البطالة في صفوف «الشباب المتعلمين»، والتي تجاوزت هذه المستويات.
وأشار الصندوق إلى المفارقة التي ذكرتها في بداية المقال، ففي حين ارتفع معدل النمو في الاقتصاد التونسي بشكل عام من 3 في المائة في عام 2009 إلى 4 في المائة في عام 2010، وفي حين نجحت سياسات الحكومة في إبقاء التضخم في حدود معقولة (5 في المائة)، وفي تحسين وضع ميزان المدفوعات، إلا أن تلك السياسات لم تنجح في كبح جماح البطالة، التي بالعكس ارتفعت معدلاتها. ومن هنا تصبح المشكلة مزدوجة، فزيادة النمو في الاقتصاد تعني أن هناك طبقات في المجتمع قد تحسن دخلها، ولكن في المقابل ارتفاع البطالة يعني أن هناك فئات قد ساءت أوضاعها الاقتصادية، وهذا مما يزيد في حدة الاحتقان الاجتماعي.
ولم تتردد شركة استشارات عالمية تتخصص في تقييم الأخطار الاقتصادية التي تواجه المستثمرين، هي مراقب الأعمال الدولي في قرع جرس الإنذار في تقرير لها صدر في أغسطس الماضي. ففي هذا التقرير تستشهد الشركة، بمعدلات البطالة التي أشرتُ إليها، وتضيف أن معدلات البطالة بين خريجي الجامعات قد بلغت 22 في المائة في عام 2009، ثم تقول: «إن تفاقم معدلات البطالة، خاصة في صفوف المتعلمين، سيشكل أساساً للغضب الشعبي، مما سيساهم في عدم الاستقرار السياسي على المدى الطويل. وقد أخطأت الشركة في توقيت ظهور هذا الغضب الشعبي، أما بقية تقييمها فقد ظهرت صحته خلال الأسابيع القليلة الماضية.
وتجد هذا التحليل متواتراً في العديد من التقارير، ففي تقرير كتبته مجلة «المدير الأفريقي» في شهر سبتمبر الماضي، تقول المجلة: «إن البطالة في تونس، والتي ترتفع معدلاتها بين خريجي الجامعات على وجه الخصوص، هي أكثر التحديات إلحاحاً وحاجة إلى المعالجة في تونس.»
وكل هذه التقارير كانت من عام 2010، ولو عدت إلى تقارير هذه المنظمات من الأعوام السابقة، لوجدت التحذيرات نفسها، والنصائح نفسها، لمعالجة مشكلة البطالة بين المتعلمين، ولكن من الواضح أن هذه النصائح لم «تُفهم» إلا بعد فوات الأوان.

(*) عبدالعزيز حمد العويشق
عن الوطن اون لاين  

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق