fbpx
دوليات

زيـن الـعـابـديـن بـنـعـلـي … أفـول “هـنـبـعـل”

ألقى ثلاثة خطب، في أسبوع واحد، وهذا لا يحدث حتى في الحروب، لكن بنعلي الرجل الذي كان يطلق على نفسه البطل الأسطوري “هنبعل”، هاله أن تستيقظ تونس الوديعة، التي كان يقول عنها، إنها البلد الوحيد في العالم العربي الذي لا يعبأ بالسياسة، “ما تريدون مني، الشعب التونسي لا يحب السياسة، وأنا أحترم اختياراته”، لكن في خطابه الثالث، وهو خطبة الوداع أو البكاء، أو الاستعداد للهروب، قال، “مكنتش نعارفكم”، قالها بمشاعر خائف من شعبه، لكن ما بين خطبة الانقلاب على معلمه الراحل بورقيبة، التي دشن بها ما أسماه ثورة التصحيح، وخطبة الوداع التي أعلن بها رحيله، هناك ثلاثة وعشرون عاما من الجهل بالشعب التونسي، هذا إذا صدقنا ما قاله بنعلي، أليس من الغباوة أن يقول رئيس دولة إنه لم يكن يعرف شعبه، وإن الناس المحيطين به كانوا يكتمونه حقيقة الشعب التونسي، هذا عذر أقبح من الزلة، وأضخم من كل الأخطاء التي اقترفها الرئيس بنعلي على امتداد زمن حكمه، لكن الزمن لا يعود إلى الوراء، وبنعلي الذي جاهد كثيرا، كي يتمكن من الخروج من تونس، أو خرج منها كما قيل، مخيرا من الجيش بين الاعتقال والخروج بحثا عن، منفى في أرض الله الواسعة، لم يكن يتصور أن تونس هي الوحيدة التي كانت تقبل به، رئيسا ومعذبا ودكتاتورا، حين انتفضت عليه، ورمت به خارج الحدود، وأغلقت الباب، ظل وقتا طويلا يحلق بطائرته في أجواء الدول، كطائر كفيف، يستجدي موطئ قدم في أي دولة وكل الدول التي كان يعتبرها، حتى أيام قليلة ضيفا كبيرا عليها، لكن ما أغرب أن تكنس السلطة قادتها، وتجردهم من قوتهم، وترمي بهم ضعافا، صغارا، كما لو خرجوا لأول مرة من بيضة الخلق.
لكن بنعلي، الذي يمكن الرهان عليه، وحتى الساعات الأخيرة من حكمه، أنه ليس من القادة الذي يمكن أن يضعف بسهولة، ويخرج من المواجهة، ويرمي السلاح بهذه السهولة، لكنه فاجأ العالم بضعفه وهزيمته، بل ليس هو حتى صدام حسين الذي بقي حتى اللحظات الأخيرة شاهرا سيف قوته، حتى وهو على شفير إعدامه، وليس هو ميلوزوفيتش، الزعيم الصربي الذي تمسك بأخطائه حتى لحظاته الأخيرة، أو بول بوت، زعيم الخمير الحمر، الذي أقسم أن تصل رؤوس الضحايا الكمبوديين إلى مليون ضحية، ووفا بها وأكملها، ليس مثل هؤلاء جميعا، بل اكتفى بتوديع الشعب التونسي، بالبكاء، والتذرع بأنه ما “كانش تيعرف”.
فالرجل كان وهما من القوة، في عنقه خمس ولايات رئاسية، وهذا لا يحدث حتى في الخيال، لكن الرجل، لا يجد في ذلك حرجا، وشراهته في إبقاء السلطة بين يديه، تزيد ولا تنقص، لكن المعارضة التونسية، تقول إن الرجل، لا يتذكر إلا ولاية رئاسية واحدة، هي التي عاشها وحكم فيها  تونس، أو باقي الولايات السابقة.
كان يؤمن بأن السياسة لها لسان واحد، هو لسان الرئيس، وما عدا ذلك خروج عنها، وكفر بها، وأحيانا يقول إن النقاش في السياسة مضيعة للوقت، خصوصا إذا كانت في مجتمع ما زال مأسورا بمشاكل التخلف والتنمية، وهو طبعا لا يريد لتونس أن تهرب عنه إلى أي نوع من النقاشات السياسية، أو تبقى حبيسة نقاشات سياسية لن تنفعها ولن تحل مشاكلها، لكن في كل مرة، لا يجد زين العابدين أن هذه المشاكل قد انتهت أو على الأقل نقصت قليلا، وأن الحاجة ستبقى ماسة لمواصلة الاهتمام بحلها.
لذلك فاز الرئيس في كل الانتخابات الرئاسية، وبقي الفائز الأول والرئيسي، دون منافس أو منازع، متدرجا من نسبة نجاح بمائة في المائة، إلى أقل من ستين في المائة في الانتخابات الاخيرة.. وكأن نسبة التصويت تنقص ولا تزيد، وأن الرئيس في انتخابات بدون منافس، تتراجع أصواته وتنقص، لئلا، يعتقد التونسيون أن الرئيس لا تعنيه الدمقراطية.
لذلك لابد من تحصين الرئيس لأصوات الناخبين، وهذا لا يكفي بل بأمور أخرى كثيرة، درءا لكل ما يمكن أن يهدد مستقبل واستقرار الوضع السياسي في البلاد، ومن نتائج ذلك، أن بلدا كتونس لا يملك أي ثروة طبيعية، فلا ‬النفط بالقدر الكافي الذي يمكن تونس من بيعه كأي دولة من دول الخليج، ولا فوسفات أو حديد أو نحاس أو ذهب‮. وكل ما تتوفر عليه لا يزيد عن السياحة والفلاحة، لكن زين العابدين جعل منها، على قول المغني فريد الأطرش، “تونس أيا خضرا”، إلى درجة أن صادرات الفلاحة التونسية، كانت تضايق دولا كالمغرب أو إسبانيا في أسواق الاتحاد الأوربي، بل، إن الإعلام الرسمي يشير في غير مناسبة إلى أن تونس حين تكون مستقرة سياسيا، وهذا ما كان يقوله باستمرار، الرئيس زين العابدين ، تستطيع أن تدك أوربا، طبعا هناك دائما إحالة على ذلك التاريخ البعيد، حين قطع القائد هنبعل، البحر من الشاطئ التونسي، بجوقة من الفيلة ودخل بها  مدينة روما.
ما كان يقال رسميا عن الرئيس زين العابدين، كان يقال عن  الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، فهذا الأخير، كان التونسيون، يقولون، إن الله بعث به إلى تونس لإنقاذها، كان ذلك قبل الاستقلال، وكان الرجل، أشبه بقطعة من الحديد الحامية، يذبح بخطاباته النارية، وبعد الاستقلال، كان يردد بأننا أصبحنا على عتبة الدول المتقدمة، وغدا سنكون مثلهم، لكن الرجل بقي في الحكم حتى شاخ، وأصيب بمرض فقدان الذاكرة، ونسي أنه كان يوما خارج السلطة، الشيء الوحيد الذي يتذكره أنه ولد فيها وسيموت فيها.
هذه الصورة مكرورة ومستعادة في تونس، فرؤساؤها يبقون في السلطة حتى آخر الخسارة، ولا يبرحونها، حتى آخر العجز والتعب، حيث منطق النهاية يساوي بين الحبيب بورقيبة وزين العابدين، فالأول نسي نفسه في السلطة، إلى أن باغته بن علي وحجر عليه وأغرقه في آخر ظلمة العمر، وزين العابدين، قضى أقرب من ربع قرن من الزمن في السلطة، فألفها وأدمن عليها، وأصبح لا يفكر أنه سيكون خارجها في يوم من الأيام، لم يفكر كيف ستعيش تونس من بعده، وكيف سيكون خليفته، وعلى أي نحو ستنتهي نهايته ما زال أسير ما أسماه ثورة الإنقاذ، وما زال فيها، وما زال يعيد نفسه مرارا وتكرار، كي يبقى فيها ولا يفارقها، لم يفكر بعد في خليفة له، يمكن أن يطلع من الحزب الحاكم أو من الشخصيات الموالية أو من الأحزاب المخاصمة، فالرجل ما زال فيه ما يكفي من القوة للتمسك بالسلطة، أما من سيخلفه، فإنها مهمة لم يحن أجلها بعد.
لكن هناك كتاب صدر في باريس بعنوان “حاكمة قرطاج”، لمؤلفين “بو. وغراسييه”، يتحدث عن زوجة الرئيس ليلى بن علي، وهي سيدة تونس الأولى، وبلقيس التونسية، تقول كن فيكون، وهي الآمرة والحاكمة الفعلية للبلاد، المؤمنة بتطرف بالتنجيم الذي ورثته عن والدتها “نينا”. الكتاب يحكي عن مثالب وغرائب ليلى زين العابدين، ولا ينتهي بالقول، إنها أكثر من يحلم في البلاد بخلافة الرئيس.

مصطفى الزارعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى