ملف الصباح

صالحات فاس وصلحاؤها : الصالحة آمنة… سقط قيد من رجليها بعد حضور شيخها أبي الحسن الصنهاجي

إذا كانت السيدة معزوزة بن محمد الهلالية، عفت عن ذلك الرجل الذي تمنى المرض لنفسه عوض ابنها، فسافر للقتال وهلك الذين مشوا معه، إلا هو عكس ما كان من هلاك كل من سمعت بمن لا ترضيه من رفاق ابنها، فإن بركة السيدة الصالحة آمنة بنت أحمد بن علي ابن القاضي دفينة روضة الشيخ أبي الحسن علي الصنهاجي، وراء ظهره، كانت أعظم وأعلى شأنا.
ويحكى أن أهلها الذين كانوا ينقمون خدمتها هذا الشيخ، سجنوها ذات يوم في غرفة، وجعلوا عليها قيد الحديد، فلم يشعروا إلا بالشيخ واقفا وسط الدار ينادي باسمها، قبل أن تجيبه، ويطالبها بالهبوط، فـ”إذا بالقيد قد سقط من رجليها لتخرج إليه، وهم ينظرون والغرفة على حالها مسدودة، و”من يومئذ سلموا لهما حالهما”، حسب ما ذكر في كتاب “سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس”.
وقيل إن أهل هذه السيدة ابنة الفقيه القاضي أبي العباس أحمد بن علي بن عبد الرحمان ابن أبي العافية المكناسي، طبخوا يوما دجاجا وأعطوها حصتها، فقالت “لو أن كليبة سيدي (نسبة إلى كلبة كانت لها) لأعطيتها سهمي هذا”، فإذا بالكليبة معها مادة يديها، فناولتها إياها، ما يدل أنها كانت من أهل الخطوة، وعلية قدر حفيلة و”كانت من كبار الأولياء خاصة الأصفياء”.
وشهد الشيخ عبد الرحمان المجذوب، لهذه السيدة التي أخذت عن الشيخ بن الحسن علي الصنهاجي، بالخصوصية، إذ كان يقول “مات سيدي، فورثته أنا وأختي آمنة، للذكر مثل حظ الأنثيين”، ولما ماتت قال “الآن حصل لي إرث أبي كاملا”، ما يعني أنه ورث منها ما بقي من سر شيخه، خاصة أن لها بركات، إذ ربما تصيح في فراشها جريحة أو نحو ذلك من أثر حضور في الجهاد.
ويحكى أنها كانت تخدم الشيخ الصنهاجي، وتتبعه و”لا تفارقها آنية الزيت، إذا أتاها وجدها عندها ليريقها على نفسه، لأنه كان يحب ذلك. ويروى أيضا أنها لما جاءها الموت، أخرجت كل من كان معها بالبيت، وقالت لهم إن “سيدي آت يحضر خروج روحي” في إشارة إلى ابن عمها الفاضل الخير أبو زكريا يحيى بن قاسم بن علي بن أبي العافية المكناسي، الذي تزوجته.
ولا تقل شأنا عن هذه السيدة، زميلتها الشريفة الصالحة كنزة بنت إبراهيم الكتانية، المتوفاة في 1280 للهجرة، قبل دفنها بروضة جوار روضة الشرفاء الدباغيين المدفون فيها قطبهم مولاي عبد العزيز الدباغ، شأنها شأن العالمة السيدة عائشة بنت علي بونافع، حفيدة سيدي عبد الرحمان بن عبد القادر الفاسي، من بنته السيدة آمنة، كواحدة من صالحات عرفن بالورع والتقوى.
هذه السيدة الفاضلة كانت “من الخاشعات القانتات الصائمات الصابرات”، لينة الكلام وحسنة الخلق والعشرة، خاصة مع زوجها الذي كانت لا تغضبه أو تراجعه بشيء، وقيل إنها لم تبك على أحد بالصوت، بعد وفاة أمها وأربع أخوات لها وأولادهن الذكور والإناث وزوجها وثلاثة ذكور وبنت لها منه، بل لم تتسخط، ولم يصدر منها إلا البكاء الخفيف بالدمع لا غير.    
وكانت “عشوة بنت الحاج علي بونافع” كما لقبت، مواظبة صباح مساء على قراءة الأحزاب، وكثيرة الذكر والزيارة للصالحين والمحبة لأهل الخير المنتسبين، ودأبت على التنقل ليلا كثيرا، وتحضر جلسات البخاري علي بن العباس ابن مبارك، خاصة بعد صلاة الصبح بضريح سيدي أحمد بن يحيى، ثم بعده أبي عبد الله جسوس إلى أن توفيت في سنة 1177.
وكانت تحضر كذلك مجلس ابنها سيدي عبد المجيد في “النصيحة الكافية” و”رسالة ابن أبي زيد” وشمائل الترمذي، فيما بين العشاءين، إضافة إلى مجلس الوعظ عند ولدها سيدي محمد بالضريح الإدريسي عند الفجر، بل إن هذا الأخير ترجمها في مؤلفه “سلوك الطريق الوارية” الذي ذكر فيه أنها دفنت مع زوجها الذي كان لها منه أربعة أولاد، بمطرح الجنة.  
وقيل إن هذه السيدة التي كان كل أبنائها الأربعة من زوجها أبو الحسن سيدي علي ابن الشريف المسن البركة مؤذن منار القرويين مولاي محمد المدعو الزبادي، أخيارا مباركين، كانت في آخر عمرها مداومة على الوضوء لا تبقى بدونه وتواظب على الصلاة مع الجماعة في كل الأوقات، إما في جامع القرويين أو بضريح المولى إدريس بقلب المدينة العتيقة لفاس.
وتنتمي هذه السيدة إلى عائلة من أهل الخير والبركة والنجدة ممن ظهرت لأفرادها كرامات، وكانوا كثيري الزيارة إلى الصالحين واللهج بذكرهم، كما جدهم سيدي محمد بن علي المؤذن بالقرويين، الذي كان “لا ينام كل ليلة، حتى يسرد عددا كثيرا من الصالحين يستعطفهم ويستغيث بهم، ويتلذذ بذكرهم” كما أورد ذلك عبد المجيد ابن “عشوة بنت علي بونافع”.

حميد الأبيض (فاس)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق