ملف الصباح

رموز الغناء العربي قبل ألف عام : معبد بن وهب… إمام المغنين

اسمه المغني معبد بن وهب، وكنيته أبو عباد، وكان مولى لآل قطن بني مخزوم، وهم من التجار، يرعى لهم القطعان بظهرة الحرة. وقد كان مبدأ غنائه أنه كان يستمع وهو نائم إلى صوت يجري في مسمعه، فيستيقظ من سباته، ويروح يردده.
وكان أبوه أسود اللون، فجاء خلاسيا، وكان أحول مديد القامة، وقد لُقب بإمام المغنين، لتفوقه على جميع أهل المدينة في الغناء، والصنعة. ويصفه أحد الشعراء فيقول: أجاد طُويس والسريجيّ بعده/ وما قصبات السبق إلا لمعبد
ومعبد أخذ الغناء عن سائب خاثر، ونشيط الفارسي، وجميلة وإسحاق بن إبراهيم الموصلي، وابن جامع. وقد عمّر طويلا، حتى انقطع صوته ولم يعد بوسعه أن يطرب كما فعل طوال حياته. وكانت وفاته فالفالج أيام الوليد بن يزيد في دمشق، وكان ينزل عنده.
سئل معبد ذات يوم ماذا يصنع إذا أراد صياغة لحن من الألحان، وغناءه، فأجاب: «ارتحل قعودي، وأوقّع بالقضيب على رحلي، واترنم عليه بالشعر حتى يستوي لي الصوت».
ويروي معبد نفسه أنه قدم إلى مكة فعلم أن ابن صفوان وضع جائزة لمن يسبق في الغناء زملاءه المغنين. فأتى بابه طالبا الدخول، فمنعه الآذن قائلا إن سيده لا يسمح بدخول أحد عليه. فاستأذنه معبد أن يدنو من الباب ويغني صوتا من أصواته. فسمح له الآذن بذلك، واندفع معبد يغني. فتعالت الأصوات من الداخل: هذا معبد.. وادخلوه ومنحوه الجائزة.
وفي هذه النادرة إقرار بسبق معبد في الغناء.
وفي يوم كان معبد في طريقه إلى مكة طرق سمعه عند موضع يقال له «بطن مرّ» غناء ما لبث أن أبصر صاحبه، وكان رجلا مليح الوجه، جالسا على حافة حوض، وعليه جبة مشقوقة المقدم، ومصبوغة بالزعفران. وكان يتغنى بهذه الأبيات لعمر ابن أبي ربيعة:
حنّ قلبي من بعد ما قد أنابا/ ودعا الهم شدوه فأجابا
ذاك من منزل لسلمى خلاء/ لابس من خلائه جلبابا
عُجتُ فيه وقلت للركب عوجوا/ طمعا أن يردّ ربع جوابا
فاستثار المنسيَّ من لوعة/ الحب وأبدى الهموم والأوصابا
فما كان من معبد إلا أن قرع بعصاه وتغنى بأبيات الفرزدق:
منع الحياة من الرجال ونفعها/ حدق تقبلها النساء مراض
وكأن أفئدة الرجال إذا رأوا/ حدق النساء لنبلها أغراض
فقال له الرجل وكان ابن سريج،: بالله أنت معبد؟
فقال معبد: نعم، وبالله أنت ابن سريج؟ قال: نعم، ووالله لو عرفتك ما غنيتُ بين يديك..
ولقاءات ابن سريج ومعبد كانت كثيرة..
وفي إحداها صرّح ابن سريج، بعد سماعه غناء معبد وهو غلام، بقوله: إن عاش كان مغني بلاده. وقد عاش، وأصبح إمام

المغنين في زمانه، وكانت له صنعة في الغناء لم يسبقه إليها من تقدم، ولم يزد عليها فيها من تأخر، وهو القائل: «والله لقد صنعت ألحانا لا يقدر شبعان ممتلئ ولاسقّاء يحمل قربة على الترنم بها، ولقد صنعت ألحانا لا يقدر المتكئ أن يترنم بها حتى يقعد مستوفزا، ولا القاعد، حتى يقوم».
ومن طريف ما يروى من أخبار الوليد بن يزيد مع معبد أن أمير المؤمنين اشتاق إلى معبد وإلى غنائه فبعث بطلبه من المدينة. وكان ملأ بركة في حديقة قصره بماء الورد وقد خُلط بمسك وزعفران. فجلس هو ناحية من البركة، واُجلس معبد في الناحية الأخرى وبينهما ستر مرخي، ولا ثالث معهما.
فطلب الوليد أن يغنيه هذه الأبيات:
لهفي على فتية ذلّ الزمان لهم/ فما أصابهم إلا بما شاؤوا
ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم/ حتى تفانوا وريب الدهر عدّاء
أبكى فراقُهم عيني وأرّقها/ إن التفرق للأحباب بكّاء
فغناه معبد، فما كان من الوليد إلا أن أزاح الستر، ونزع عن نفسه ملاءة تضوع بالطيب، وارتمى في البركة، ونهل منها نهلة. ثم عاد إلى مكانه ولبس ملاءة أخرى، وطلب إلى معبد أن يغنيه:
يا ربيع مالك لا تجيب متيّما/ قد عاج نحوك زائرا ومسلّما
جادتك كل سحابة هطّالة/ حتى تُرى عن زهرة متبسّما
فغنى معبد هذا الصوت. فأمر له الوليد بخمسة عشر ألف دينار، قائلا: «انصرف إلى أهلك واكتم ما رأيت».
فقال معبد «ذلك ما لا يحتاج أمير المؤمنين إلى إيصائي به».

إعداد: عزيز المجدوب

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق