منبر

الهوامل والشوامل : بيانٌ ضدّ الفتنة

إلى عهدٍ قريب، كنَّا مسلمين: هكذا كنّا نسمّي أنفسَنا ويُسمّينا غيرُنا ممّن يُخالِفُنَا المِلّة، كنّا نجتمع على الإيمان بوحدانية الله، ونبوَّةِ محمدٍ بنِ عبد الله، ونجسِّده في تلاوة الشهادتيْن. وفجأة، أصبحنا “سنَّةً” و”شيعةً” توزِّعُنا أساطير الهُويّات، والأحقاد، والذاكرات الفِتْنَوية المريضة، إلى فريقيْن لا يقُوم بينهما رابطٌ من دينٍ أو جامعةٍ وطنية أو قومية، بل لا يقوم بينهما إلاّ السَّيْف هنا أو تَكَايُدٌ هناك! وكَثُر فينا “الذين يعلمون” دروس الفتنة علْمَ اليقين ، فأسهبوا في تعريفنا بالمائزِ بين “أهل السنّة والجماعة” وبين الروافض، و”أفادونا” بأن الشيعة شِيَعٌ شتى، فمنهم الإماميةُ، ومنهم الإسماعيليةُ، ومنهم الزيديةُ، ولَهُم شُبْهة علاقةٍ وقرابةٍ بالدروز الموحِّدين، وبالعلويين النصيريين. وغداً سيُكملون جميلَهم بـ “إفادتنا” بما بين “أهل السنَّة” أنفسهم من فروقٍ توزِّعهم على حدود مذاهب فقههم. ومن يُدرينا إنْ كان سيوجَد منهم مَن سيُدقّون الأسافين بين مالكيتهم وأحنافهم وشوافعهم وحنابلتهم؟ إذِ الفتنة كالنار: تبدأ قَبَساً وتنتهي حريقاًَ!
ولقد عاش ملايين المسلمين لمئات السنين لا يعرفون إلى أيّ مذهب ينتمون، ولا يعرفون عن أنفسهم سوى أنهم مسلمون. وما يزال مئات الملايين منهم اليوم لا يعرفون مَن يكون جعفر الصادق أو أبو حنيفة أو أحمد بن حنبل من دون أن يَفْسد إسلامُهم بهذا الجهل، حتى لا نقول إنه زاد سلامةً ونقاءً بذلك الجهل. وما دبَّ إلى المسلمين خلافٌ ففرَّق جمْعَهم، وشنآنٌ فوَلَّد البغضاء بينهم، إلاّ بفعل فاعلين قَصَدوا الإيذاءَ بما بَثُّوهُ في أوساطهم من أفكار شيطانية باسم المُمَايَزة والمُفَاضَلة. ولقد كان هؤلاء من المسلمين ومن غير المسلمين، ولم تمنعهم فروقُ الدين من أن يجتمعوا على الغايةِ السوداء عينِها!
وقد نفهم أن يُرَادَ الشرُّّ بوحدة المسلمين من لدنِ المستعمِرين وأحفادِهم، وحكومات دولهم، ومراكز دراساتِهم، وصُحُفهم وإعلامهم ومن لدن مافيات صهيونية تقبع كالقُرادة في عقر مراكز القرار في ديارهم…، فلهذه جميعِها مصلحةٌ في أن يَحْترب المسلمون، ويُفني بعضُهم بعضاً، أو في أن تقوم العوازلُ بينهم، ويشْتَدُّ أوار التَّخَاوُفِ في صفوفهم، إنْ عزَّ دفْعُهُم إلى المواجهة المتبادلة، حتى تظل حقوقُهم مهضومة، وأوطانُهم مستباحة، وسِلْمُهُم الداخلية هشّة، ويظل عدوُّهُم سيِّدُهم. ولكنَّا لا نملك أن نفهم كيف تبرَّع قلّةٌ قليلة من المسلمين، من الذين يُتقِنون الاتِّجار في الدين وفي مشاعر المؤمنين، بتمزيق أواصر الوحدة بين أتباع المصطفى الأمين، فيصوّرون لجمهورهم بأنه من هذا المذهب، وأن مذهبه هو الدين، وغيرُه من المذاهب باطل إلى يوم الدين. ثم يجيّشونه تجييشاً ضدّ جمهور آخر، فيكون مصيرهم إلى تكفيرٍ متبادل، فإلى تَسَافُك دم!!!
لقد بات كلّ من اعْتَمَّ بعمامة، أو أرسل لحيةً، فقيهاً، بل بات مفتياً وإن لم يكن قد أكمل تَعَلُّم نقائض الوضوء! وليْتَه اكتفى بالفُتيا في ما ينفع الناس، لكان قيل إنه يعمل – على قليلِ علمِه – بمقتضى القاعدة الذهبية: أنَّى كانتِ المصلحةُ فثمة شرعُ الله، ولكانت نتائجُ العمل الحَسَن شفعت له في سوء الوسيلة. لكن هؤلاء جاوزوا حدَّ الإباحة إلى إتيان الكبائر، وهل من كبيرةٍ أهْوَل وأشنع من التحريض على الفتنة وسفك دماء المسلمين؟!!!!
وقد يَهُون الخطب في هذه الحال، فيُقال بعد شيءٍ التَّعَوُّذ والحوقلة، إن أمور الدين تفسد – في كل زمان – حين تصير في عهدة صغار المتفقَهة من الجَهَلة الموتورين. ولكن ماذا حين يخوض في خطاب الفُرقَةِ والفتنة فقهاء انعقدتْ لَهُم المرجعيةُ عند مقلِّديهم (من الشيعة والسُّنَة على السواء)، فيسخّرون “عِلْمهم” لتحريض فريقٍ على آخر من أهل القِبْلَة، ويَعُدُّون ذلك من صميم الدعوة والدين: والدين من ذلك براء؟! وماذا حين يعلم هؤلاء الفقهاء أنهم يؤدون هذه الخِدمة السّامة لهذا النظام أو ذاك ضدّ دينهم وأمَّتهم؟ وأن هذه الخدمة – المصروفة لمصلحة نخب حاكمة في البلاد الإسلامية متصارعة على النفوذ في ما بينها – إنما هي، أيضاً، خدمة مصروفة لمصالح السيطرة الكولونيالية والصهيونية؟
إلى أيّ مصير مجهول يأخذنا هذا الشحن المذهبي داخل عالم الإسلام، ويوزّعنا على مذاهبَ ما أنزل الله بها من سلطان، ويَصْرِفنا عمّا يجمع بيننا من وشائج الدين والوطن، ويَبُث العداوة والبغضاء بيننا؟ لُعِنَتِ الفتنة، ولُعِنَ من دعا إليها، أو سعى، باليد أو بالقلب أو باللسان.

الدكتور عبد الإله بلقزيز

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق