مجتمع

مشاهد من جحيم التنقل بين عدوتي أبي رقراق

يعيشه آلاف الموظفين والمواطنين صباح ومساء كل يوم طيلة خمسة أيام في الأسبوع

من غير المستغرب أن تنطبق قولة العربية المأثورة “إذا كان رب البيت للدف ضاربا، فشيمة أهل البيت الرقص” على عدوتي نهر أبي رقراق، أي العاصمة الرباط وصنوتها مدينة سلا. في كل شيء تلعب هاتان المدينتان دور حامل المشعل الذي تلاحقه أعين الجميع وتتطلع إليه متخذة منها القدوة والنموذج. ليس غريبا أن يعاني الناس مشكل انقطاعات الماء أو شرب مياه ملوثة، وسلا مثلا توجد بها أحياء يتدفق بها ماء ملوث وبه مذاق غير مستساغ. كما لا يمكن أن يطالب سكان المدن الأخرى بالحق في النظافة وفي الرباط وجارتها سلا غارقاتان في أكوام الأزبال…
وليس غريبا كذلك أن يعاني سكان المدن الأخرى، التي أدرجت خلال سياقات تاريخية معينة، ضمن قائمة مدن المغرب غير النافع، مشاكل قلة وسائل النقل، وغياب البنيات التحتية والتجهيزات الطرقية، إذا كانت اثنتان من مدن ما يعرف بالمغرب النافع بدورهما تعيشان معضلة النقل والتنقل بكل أشكالهما في كل وقت وعلى مدار الساعة والسنة، وحتى في ظل إنفاق ملايير الدراهم في مشاريع للنقل الحضري قيل إنها ستخفف عبء ووطأة وأزمة النقل، لكن يبدو أن حال أن العدوتين هو كحال من استجار من الرمضاء بالنار..
عابرو ضفتي أبي رقراق، خاصة القادمون من سلا والمتوجهون إلى العاصمة الإدارية، يعيشون اليوم، ومنذ سنوات في الحقيقة، كابوسا حقيقيا لا ينفك يتفاقم ويزداد سوءا يوما عن يوم. فتخيل، أنت الذي تفكر بمنطق وعقلانية، أن قنطرة مثل قنطرة الحسن الثاني (دُشنت في 18 ماي 2011) والتي لا يتجاوز طولها 1215 مترا تستلزم منك “ما بين 20 و35 دقيقة في فترة الذروة في الصباح”، يقول عبد الله جالدي، وهو موظف يشتغل بإحدى المديريات الرسمية بالعاصمة الرباط.
يشرح عبد الله، الذي يستعمل هذا المعبر، الذي كان يعول عليه من أجل تخفيف حدة الاحتقان والاكتظاظ المروري بين العدوتين (فإحداهما تتركز بها أكبر المؤسسات والإدارات العمومية وتشغل أعدادا كبيرة من الموظفين، فيما الثانية تحتضن أكبر كثافة سكانية في المغرب بعد مدينة الدار البيضاء)، أن الأمر تحول بالنسبة إلى “كوشمار (يعني كابوس) يومي طيلة خمسة أيام من الأسبوع”، ويستطرد قائلا، في دردشة مع الصباح على متن سيارته صباح أمس (الثلاثاء)، “خاصك تجي معايا في الصباح ولا العشية ملي يكونوا الناس راجعين عاوتاني لديورهوم، وداك الساعة أجي تفرج مزيان”.
ما يتحدث عنه هذا الموظف المغلوب على أمره يمكن ملاحظته صباح كل يوم من الاثنين إلى الجمعة، وفي الفترة ما بين السابعة صباحا، أو قبلها بدقائق، إلى حدود الساعة التاسعة، إذا لم تكن هناك استثناءات قد تتسبب في تمطيط هذه المدة إلى فترة أطول. المشاهد الجهنمية للاكتظاظ والازدحام الذي تعرفه قنطرة الحسن الثاني (التي تقود رأسا إلى مركز مدينة الرباط على خلاف قنطرة الفدا الضيقة أو قنطرة محمد الخامس التي تؤدي إلى الجزء الشرقي من العاصمة الرباط) يمكن أن يلاحظه أكثر المحظوظون الذين يقطعون المسافة الرابطة بين سلا والرباط على متن القطار أو على ظهر واحدة من عربات الترامواي. هؤلاء وحدهم يعيشون انسيابية التنقل التي لطالما تشدقت بها الحملات الإشهارية المبشرة بكل مشروع نقل جديد، أما غيرهم، من أولئك الذين يتشبثون باستخدام سياراتهم الخاصة، فما عليهم سوى أن يقفوا في تلك الطوابير الطويلة حيث تقف العربات الميكانيكية بكل أصنافها وأحجامها صفا صفا من من مدارة باب المريسة في مدينة سلا إلى فندق هيلتون بمدينة الرباط..
ربيعة، وهي إطار بإحدى المصالح المركزية وزارة الصحة، تشرح أنها جربت اللجوء إلى الترامواي من أجل تجنب جحيم هذا الاكتظاظ والازدحام (الذي بالمناسبة يتحول خارج فترة العطلة المدرسية الصيفية إلى جهنم حقيقي يطول أحيانا ليصل إلى ما بين ساعة وساعة ونصف من الانتظار لقطع مسافة بالكاد تتجاوز الكيلومتر الواحد) “إلا أن ذلك لم ينفع بدوره، فقد كنت أصل إلى مركز مدينة الرباط وعندما أترجل من الترامواي اضطر للانتظار وقتا طويلا حتى أجد سيارة أجرة صغيرة تقلني إلى مقر عملي، علما أنني أحتاج إلى استقلال سيارة أجرة صغيرة من بيتي إلى أقرب محطة للترامواي”.
لم تجد ربعية، وأمثالها ومثيلاتها كثيرون، من حل سوى تحدي الاكتظاظ والانغماس في حركة المرور المختنقة فوق القناطر الرابطة بين الرباط وسلا، كما أنها تعمل دائما على الاستيقاظ في ساعة مبكرة من أجل أن تلتحق بقنطرة الحسن الثاني علها تتمكن من تقليص مدة الانتظار بهذه التحفة الهندسية والمعمارية، التي تحولت بسبب الازدحام إلى نقطة سوداء ضمن نقط أخرى مشتركة وكثيرة تجميع بين عدوتي نهر أبي رقراق الذي يتدفق بانسيابية ويسر كبيرين غير عابئ بأولئك العالقين فوق سطحه على بعد علو لا يتجاوز 12 مترا في أحسن الأحوال…

محمد أرحمني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق