دوليات

الكـلمــة الآن للشــعـب

الجماهير لن تتوقف عن الصراخ حتى تستعيد أحلامها كاملة

بعد أن عانى الشعب المصري على امتداد عام كامل محاولات تغيير الهوية المصرية‏ ومظاهر الاستبداد المختلفة‏، ومحاولات الأخونة، التي لم تنته، ومن سد الآذان وعدم الاستماع إلى صوت العقل أو الحكمة، وبعد أن تشرخت حناجر المتظاهرين المطالبين بالخبز والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وبعد أن تطاولت الطوابير الباحثة عن الخبز إلى مئات الأمتار، وبعد أن امتدت طوابير الباحثين عن البنزين بسياراتهم إلى أميال، وبعد انقطاع الكهرباء الذي أصبح جنونيا، وبعد أن ارتفعت الأسعار التي لم يعد لها ضابط، وبعد أن فقد الفقراء الكسوة والدواء، كان لابد أن ينتفض هؤلاء الفقراء، وأن يثور المعذبون في الأرض، مطالبين بتحقيق الشعارات التي رفعتها ثورة25 يناير2011، والتي تبددت في ظل استبداد الإخوان المسلمين بالحكم، وبعد أن امتد الغضب من المعذبين في الأرض إلى كل شرائح الطبقة الوسطى، ولم يعد أمام حزب الكنبة إلا أن يصرخ بدوره، ويشارك بقية الشعب في الانتفاضة. ولكنها ليست انتفاضة وإنما هي ثورة بكل معنى الكلمة، فهناك أكثر من عشرة ملايين مواطن على أقل التقديرات، منتشرين في أرض مصر من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، صارخين مطالبين باستعادة حلم ثورة 25 يناير. ولا أريد أن أبالغ وأقول إن حشود الناس وصلت إلى ما يقرب من ثلاثين مليون مواطن.
وإنما أكتفي برقم متواضع هو أقل من واقع الأمر وأقول إن ما لا يقل عن عشرة ملايين مواطن قد امتلأت بهم ميادين الأرض المصرية من أقصى الشمال، حيث الإسكندرية إلي أقصى الجنوب حيث الأقصر، وذلك دون تفرقة بين مسيحي أو مسلم أو امرأة سافرة أو حتى منقبة، فالجميع توحد واتحد على كلمة واحدة هي ارحل التي ظلت تتكرر هادرة، ولن تتوقف إلى أن يحقق هذا الشعب العظيم إرادته، وينتزع حريته وكرامته والعدل الذي يبحث عنه من غاصبيه. لقد طالبت النخب المصرية حكومة الإخوان بأن تشكل ائتلافا وطنيا من كل القوى السياسية، وأن تنصت إلى صرخات الناس الذين يئنون، وإلى شكاوى الفقراء الذين لم يصبح من السهل أن يحصلوا على أدنى متطلبات الحياة.
وتكاثرت الإضرابات وتكررت اعتراضات واحتجاجات المثقفين، مطالبين بما يطالب به الشعب، مؤكدين ضرورة أن تتحقق العدالة الاجتماعية بكل مستوياتها، ولكن العدالة الاجتماعية لم تتحقق ولم يجدوا صدى لمطالبهم سوى الاتهامات بأنهم ضد المشروع الإسلامي مع أنهم مسلمون. ولا أدل على ذلك من الميادين المصرية التي احتشدت بمئات الآلاف من المتظاهرين الذين كانوا يوقفون هتافاتهم لكي يؤدوا الصلاة في مواعيدها، داعين الله أن يزيل عن مصر الكابوس الذي أصابها، وأن يحقق العدل لأبنائها.
وبدلا من أن يتوقف أنصار مرسي ليتأملوا الملايين التي احتشدت في ميادين مصر كلها، ويراجعوا أنفسهم في ما اتهموا المصريين به، ظلوا يلقون الاتهامات بوصف هؤلاء الملايين من الثوار الأحرار بأنهم من الفلول ومن القوى المعارضة للإسلام.
وكانت النتيجة أن انقسمت ميادين مصر إلي أغلبية حقيقية، الكلمة فيها للثائرين من أبناء الشعب الذين علت أصواتهم على الأصوات المتجمعة في ميدان رابعة العدوية. ولم يعد أحد عاقل يري على امتداد العالم كله سوى ملايين عديدة أحالت كل ميادين مصر إلي ميادين أخرى للتحرير. وستظل هذه الميادين صارخة هاتفة، ولن تتوقف عن الهتاف إلا بعد أن تستعيد أحلامها كاملة من العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. لا فارق في ذلك بين مسلم ومسيحي، ومسلم حنفي أو مسلم شافعي، فالكل في واحد كأن أجساد الأمة المتناثرة قد تجمعت مرة أخرى في جسد واحد هو جسد الوطن المصري الذي علم أبناءه أن الدين لله والوطن للجميع. ولم يعد لأحد كلمة أخرى مهما كان، فالكلمة الآن للشعب.

جابر عصفور: وزير ثقافة مصر الأسبق  ورئيس المجلس القومي للترجمة
عن “الأهرام” المصرية  بتصرف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق