fbpx
وطنية

القاسم الانتخابي… جواب “تشريعي”

النظام الانتخابي القائم يضيع العديد من «الأصوات الصحيحة» وهذا يخالف فلسفة «التمثيل النسبي»

(الحلقة الخامسة)

بقلم: صلاح الدين الشنكيطي(*)

بعدمـا نفـدت قائمـة الحجـج والبراهــين الدستورية، وتهافت الكثير منهــــا، لجـأ دعــــاة مخالفة احتساب القاسم الانتخابي على أساس “عدد المقيدين” في اللوائح الانتخابية، إلى استعمال منطق أخر في السجال والحجاج، مفاده أن هذا الخيار غير معروف في دول العالم، وأنه مناقض لما دأبت الدراسات الانتخابية على الدعوة إليه، بل وتم تحميل البرلمان المصادق على هذا التعديل مسؤولية تردي صورة المغرب خارجيا، وانه مخالف لاتفاقيات دولية صادق عليها المغرب. ولتوضيح وجهة النظر هذه، سنعرض لأمثلة منها، قبل أن نناقشها:
• “… يتوقع أن يثير ملف احتساب القاسم الانتخابي على أساس عــــدد المسجلـــــين فـــــي اللوائح الانتخابية التي سيتم إعدادها لتنظيم الاستحقاقات المرتقبة في 2021 (وليس على أساس الأصوات الصحيحة المعبر عنها كما جرى العمل بذلك في الانتخابات السابقة)، نقاشا عموميا سياسيا كبيرا وساخنا في الأسابيع القليلة المقبلة، كما يُتوقع أن تكون لهذا النقاش تداعيات سياسية داخلية عميقة تطول ثقة المواطنين في العملية السياسية برمتها، وكذا تأثيرات خارجية أعمق على صورة المغرب لدى المراصد الدولية المتخصصة في رصد مؤشرات التطور الديمقراطي للمغرب”. (الحبيب الشوباني: احتساب “القاسم الانتخابي” على أساس “عدد المسجلين”: وجهة نظر في بيان موانعه الدستورية)
• “… أن القاسم الانتخابي على أساس المسجلين الذي اخترعه الدهاقنة، سيجعل من المغرب حالة شاردة بين دول العالم لأنه نظام هجين لا يوجد في أي دولة بالعالم.( عبد العالي حامي الدين: اعتماد القاسم الانتخابي على أساس المسجلين فضيحة مست بالانتقال الديمقراطي بالمغرب)
• “توجه شاذ عالميا، إذ ليس هناك أي دولة في العالم تعتمد مثل هذا النمط أي احتساب الأصوات على أساس المسجلين، فضلا عن كون هذا المقترح يضرب بعض المبادئ الدستورية، بحيث يساوي بين من ذهب إلى صناديق الاقتراع للتعبير عن اختيارات بشكل حر ونزيه، ومن اختار مقاطعة الانتخابات. (نبيل شيخي: نأمل في تصحيح  المحكمة الدستورية لخطأ احتساب القاسم الانتخابي على أساس المسجلين)
• “… للاستدلال على مخالفة المادة 84 من القانون التنظيمي لمجلس النواب لإحدى أهم الاتفاقيات التي تعتبر المملكة المغربية طرفا فيها، والقصد بذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي اعتمدته الجمعية العمومية بقرارها 2200 لـ 16 دجنبر 1966، والذي دخل حيز التنفيذ في 23 مارس 1976، ووقع عليه المغرب في 19 يناير 1977، وانضم إليه وصادق عليه في 3 ماي 1979، ولا سيما المادة 25 منه، حيث يعتبر هذا العهد حق الانتخاب والترشح من حقوق الإنسان الأساسية، ولا يتحدث العهد إطلاقا عن مفهوم التسجيل باللوائح الانتخابية… (مذكرة ملاحظات فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب، الموجهة إلى المحكمة الدستورية)

المسوغات التي تبرر التعديل
إن هذه المقاطع، لا تميز بين النظام الانتخابي المعتمد، وبين تقنية احتساب القاسم الانتخابي؛ فالنظام الانتخابي القائم على أساس الاقتراع اللائحي وفق التمثيل النسبي، هو النظام الذي ما زال معمولا به، وأن التغيير طال فقط طريقة استخراج القاسم الانتخابي، عبر تغيير أساسه، من “عدد المصوتين”، إلى “عدد المقيدين”، وما تغفل عنه هذه المقاطع، هو الجواب عن سؤال لماذا تم التغيير؟ وما هو أساسه؟ وما هي المسوغات التي تبرر هذا التعديل؟
لنتحدث بداية، عن أن الانتخابات المغربية تعيش إشكالات عمقها النظام الانتخابي القائم، ومنها الآتي:
< النظام الانتخابي القائم على احتساب القاسم الانتخابي على أساس عدد المصوتين، اعتبر مريحا للأحزاب السياسية، فتدني نسبة المشاركة، خلق زبناء للأحزاب السياسية، والمطمئنين منهم إلى قاعدتهم ووفائها يخافون من تغيير هذا المعطى، ففي ظل نسبة مشاركة متدنية واستقرار القاعدة الانتخابية مثلا لحزب العدالة والتنمية، فهذا الأخير لن يكون في صالحه تغيير هذا المعطى، فقاعدته المنضبطة والوفية، تؤهله للصدارة أمام تشرذم قواعد باقي الأحزاب السياسية وتقلبها، إذا أضيف لها نسبة مشاركة متدنية، تجعل هذا الحزب يستمر في الادعاء بتمثيل المغاربة، وتمثيل عموم الناخبين، ومن ثم نطرح السؤال، هل كان هذا الموضوع سيثير إشكالا لو كانت نسبة المشاركة مرتفعة، وبمعدلات تجعل الفارق بين عدد المقيدين وعدد المصوتين ضئيلا؟ أبدا…وبالتالي، يجب استحضار هذا المعطى، الذي ولد نقاشا مغلوطا نتاج الرغبة في الإبقاء على الستاتيكو.
< النظام الانتخابي القائم، يعرف ديمومة تدني نسب المشاركة ابتداء من 2007، لا سيما بالنسبة إلى انتخابات أعضاء مجلس النواب، فالأحزاب السياسية اعتبرت أن مهمة إنجاح المشاركة مهمة الدولة، ولم تبذل جهدا كبيرا في تشجيع والدفع بعدم المشاركين إلى تغيير مواقفهم، وبالتالي، كيف السبيل إلى تحسيس غير المشاركين بأنهم معنيون بالعملية الانتخابية؟ هنا أيضا تعددت الإجابات، ومنها تلك التي ذهبت إلى تجريم عدم المشاركة، أو وضع غرامات مالية على فعل المقاطعة…لكن التعديل الجديد الذي مس القاسم الانتخابي، احتفظ بحرية الناخبين في المشاركة من عدمها، لكنه جعل المقيدين في اللوائح الانتخابية المرْجع لتوزيع المقاعد، بحكم أن مستوى التمثيل يجب أن يقاس ليس بعدد المصوتين ولكن بالنسبة إلى عدد المسجلين.
< النظام الانتخابي القائم، يعرف ضياع العديد من "الأصوات الصحيحة"، والتي لا تترجم إلى مقاعد، وهذا يخالف فلسفة "التمثيل النسبي" التي تؤمن بترجمة متعادلة عادلة بين الأصوات والمقاعد، فالأصوات التي لا تصل إلى العتبة تُقصى والأصوات التي لا تصل إلى القاسم الانتخابي القديم، لا تترجم إلى مقاعد، كما أن الخريطة الحزبية بدأ يهمين عليها حزبان كبيران (العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة)، وابتعدا كثيرا عن باقي الأحزاب السياسية.

لكل نظام عيوب وفضائل
أما للإجابة عن الإشكال المطروح بخصوص أن هذه الطريقة ليس معمولا بها في أي مكان، فإن الأنظمـة الانتخابية، ليس فيها الأحسن ولا المثالي ولا العادل هكذا بالمُطلق، فلكل نظام عيوب وفضائل، وتبقى الموازنة ممكنة لاعتماد أي منها، وتراعى في اختيار أي نظام، خصائص النسق السياسي المعني وطبيعة أحزابه ومشاكله الوطنية ونسب المشاركة السياسية والثقافة السياسية المهيمنة وغيرها من المحددات…
وبالتالي، فكون هذا النظام ليس هناك مشابه له، مع افتراض صحة هذا الرأي، لا ينتقص من هذا الاختيار، ما دام متوافقا مع الدستور ومع معايير الانتخابات السليمة الحرة، ويبتغي حل إشكالات عميقة لم يعد بالإمكان الاستمرار في التغاضي عنها، وهذا هو المهم.
إن حزبا بنى أطروحته السياسية، ومشروعه على الخصوصية، يستحضر، مكْرها، البعد الدولي في ترافعه على اختياراته وموقفه من اعتماد القاســـم الانتخابي علـى أسـاس عـدد المقيدين في اللوائح الانتخابية، لتحول عميق في تفكيره، لكن البعد الدولي والاتفاقي ليس قابلا للتجزيء…حلال في القاسم الانتخابي، وحرام في الأسرة والإعدام والإرث والحقوق الشخصية…
فهل العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية المستدل به، في النازلة، سيـؤثث أيضا خطاب هذا الحزب مستقبلا، أم ان “الكوني” هو “حلال” ما دام أنني أفترض أنه حجة لي، و”حرام” إذا كان تقديري أنه حجة ضدي؟…
(*) باحث في صف الدكتوراه – علم السياسة والقانون الدستوري-
كلية الحسن الثاني – عين الشق بالبيضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى