fbpx
ملف عـــــــدالة

الامتيـاز القضائـي … قواعـد الاستثنـاء

البعض اعتبره محاباة للمسؤولين وآخرون يؤكدون أنه إجراء شكلي لمحاكمة عادلة

الامتياز القضائي هو أفضلية تمنح للمشتبه فيهم بالنظر لصفتهم المهنية والمناصب، التي يشغلونها وتكون إما سياسية، كمستشاري الملك أو مناصب قضائية كالقضاة والوكلاء العامين، أو مناصب أمنية كضباط الشرطة القضائية، باتباع مسطرة خاصة في المتابعة والمحاكمة عند ارتكابهم جناية أو جنحة أثناء مزاولتهم وظيفتهم. ونص هذا الامتياز على قانون المسطرة الجنائية المغربي بمفهوم الاختصاص الاستثنائي، أو قواعد الاختصاص الاستثنائية.

إنجاز: مصطفى لطفي

طرح الامتياز القضائي عدة إشكالات، إذ تنظر له جهة أنه محاباة لفئة محددة وهم المسؤولون الكبار، وضربا لمبدأ المساواة أمام القانون، في حين يرى مختصون في القانون، أن الامتياز القضائي ليس تهربا من المحاكمة أو إسقاط العقوبة عن المسؤولين المتورطين، بل إجراءات شكلية لضمان محاكمة عادلة لهم.

إفلات من العقاب

يرى مراد العبودي محام بهياة البيضاء، أن أبرز الإشكالات التي يطرحها الامتياز القضائي، ما حدث في محاكمة توفيق بوعشرين، عندما تقدم دفاعه بشكاية ضد الوكيل العام للملك بالاعتقال التحكمي أمام الغرفة الجنائية بمحكمة النقض تطبيقا للمادة 265 من قانون المسطرة الجنائية، التي تنص على أنه حين تكون هناك شكاية موجهة ضد الوكيل العام للملك، يجب اللجوء إلى الغرفة الجنائية بمحكمة النقض، وهو ما فعله دفاع بوعشرين، غير أن هذه الأخيرة قضت بعدم قبولها، بحجة أنها ليست مخولة لتلقي هذا النوع من الشكايات مباشرة من الأطراف المشتكية، ولا بد من المرور عبر النيابة العامة.
أعيد توجيه الشكاية نفسها بالاعتقال التحكمي لموكله إلى الغرفة الجنائية بمحكمة النقض عن طريق الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، إلا أن الأخير قرر حفظها» لعدم وجود ما يقتضي إحالة القضية على الغرفة الجنائية لمحكمة النقض» حسب سلطته التقديرية، فعاد دفاع المتهم مرة أخرى إلى الغرفة الجنائية لمحكمة النقض، فأثار أمامها بأن الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض رفض إحالة الملف على الغرفة، فكان جوابها أنه من حقه أن يفعل ذلك، ولا سلطة للغرفة عليه, وبالتالي فقد حرموا متهما من حقه في الوصول إلى محكمة تنظر في شكايته بتعرضه للاعتقال التحكمي بسبب الامتياز القضائي وحق الأفضلية الذي يتمتع به الوكيل العام مما يجعله صورة من صور إنكار العدالة».
الشيء الذي يدفعنا، يؤكد العبودي، إلى القول بأن هذه المادة (265) تمنع المواطنين من الوصول إلى القضاء، وتحقيق مبدأ المساواة، فهي بالتالي مادة غير دستورية، لأن الولوج إلى القضاء ينبغي أن يكون مفتوحا أمام كل المواطنين، وضد كل المسؤولين كيفما كان نوعهم بدون استثناء.
هذا بالإضافة إلى مجموعة من الإشكالات المسطرية الأخرى، التي يطرحها الامتياز القضائي وتكمن خطورتها في أنه في حال ما إذا لم يقرر رئيس محكمة النقض تحريك المتابعة، فإن هذا القرار لا يمكن الطعن فيه، وبالتالي لا يمكن متابعة الأشخاص المستفيدين من الامتياز.
وبما أن القانون أعفى هؤلاء من التحقيق أمام الشرطة القضائية، وهو ما يكرس ويساهم في تفشي ظاهرة الإفلات من العقاب وإنكار العدالة، فرغم ذلك فان الامتياز القضائي لا يحول دون متابعة هؤلاء الموظفين، لكن ظاهرة عدم متابعة هؤلاء أو الإسراع في تحريك المساطر الخاصة ضدهم ليست مرتبطة بالنصوص القانونية، بقدر ما هي مرتبطة بالإرادة السياسية والتي تعزز بهذا السلوك الإحساس بالتمييز, وبالتالي عدم تحقيق الأمن القضائي والسلم الاجتماعي الذي هو غاية كل سلطة أو قانون في أي مجتمع من المجتمعات .

مسطرة شكلية

على نقيض المحامي العبودي، يصحح أبو الوفا الإدريسي، محام بهيأة البيضاء، نظرة المواطنين إلى اعتبار الفئة المعنية بالامتياز القضائي أنها فوق القانون، إذ حسب قوله فإنه أمر غير صحيح، بحكم أنهم يستفيدون من مسطرة شكلية اقتضتها ضرورة حسن سير العدالة، ومثال على ذلك، أنه لا يمكن لوكيل الملك أو الوكيل العام للملك أو رئيس محكمة أو ضابط شرطة قضائية بصفتهم سامين، لمناسبة ارتكابهم فعلا يشكل جناية أو جنحة أن يستمع إليهم من قبل ضابط شرطة قضائية أقل منهم درجة.
ويضيف أبو الوفاء الإدريسي، أن الامتياز القضائي، الذي نص عليه المشرع المغربي، في الباب الثاني من قانون المسطرة الجنائية، في المواد 264 إلى 268، هو ميزة منحها المشرع لفئة أو طائفة من موظفي الدولة، سواء كانوا إداريين أو قضائيين، بمسطرة خاصة، في المتابعة والمحاكمة، ولمناسبة، ارتكابهم واقترافهم جرائم تشكل جنحا أو جنايات أثناء مزاولتهم لوظيفتهم أو خارجها، طبقا للمادة 264 من قانون المسطرة الجنائية.
ويشد المحامي أن هاته المسطرة هي مسطرة الشكل وليست الموضوع، بدليل أن المشرع استهل أول مادة في باب قواعد الاختصاص الاستثنائية كما يلي «تجري المسطرة حسب الشكليات الآتية….، وبالتالي فإن الأشخاص الخاضعين لها، لا يعفون من العقاب المنصوص عليه في الجرائم المرتكبة، وإنما يعفون من تطبيق الإجراءات المسطرية العادية عليهم. وإن كان المواطنون ينظرون للامتياز القضائي، على أنه نوع من عدم المساواة أمام القانون، لدرجة أن جهات طالبت بإعادة النظر في مسألة الامتياز القضائي، تكريسا للمبدأ الدستوري المتعلق بمساواة الجميع أمام القانون والعدالة، إلا أنه في نظره بصفته محاميا وباحثا في الشؤون القانونية فإن مسطرة الامتياز هي مسطرة الشكل وليس الموضوع (العقاب).

المحكمة المختصة

يبقى السؤال ما هي المحكمة المختصة للنظر في هذا النوع من الجرائم (رشوة واستغلال النفوذ … إلخ) مطروحا. حسب أبو الوفا الإدريسي، فإنه بمقتضى التعديل رقم 36.10 تنظر وطبقا للفقرة 1 من فصل 260 من المسطرة الجنائية، واستثناء من قواعد الاختصاص المنصوص عليها، في هذا الفرع، تختص الجرائم المالية بمحاكم الاستئناف المحددة والمعينة دوائر نفوذها بمرسوم بالنظر في الجنايات المنصوص عليها في الفصول 241 إلى 256، (جرائم الرشوة واستغلال النفوذ وبعبارة أخرى الفساد الإداري والمالي)
وكما تختص هذه المحاكم في الجرائم التي لا يمكن فصلها عن الجنح أو المرتبطة بها، كما هو الشأن بالنسبة إلى القضية المعروضة أمام محكمة جرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بالبيضاء، المعروفة بقضية نائب وكيل الملك، المتابع فيها إلى جانب أمنيين بجناية تكوين عصابة إجرامية والرشوة والابتزاز وغيرها.

المستشار المكلف بالتحقيق

بالنسبة إلى الجرائم المرتكبة من قبل بعض الموظفين، يفيد أبو الوفا، فإن مقتضيات 268 من القانون الجنائي تنص في فقرتها الأولى، «إذا نسب لباشا أو خليفة أول لعامل أو رئيس دائرة أو قائد أو «ضابط للشرطة القضائية» من غير القضاة المشار إليهم في المواد السابقة، ارتكابه لجناية أو جنحة أثناء مزاولة مهامه، فإن الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف المعروضة عليه القضية، من قبل الوكيل العام للملك، يقرر ما إذا كان الأمر يقتضي إجراء بحث، وفي حالة الإيجاب يعين مستشارا يكلفه بالتحقيق.
إن هذا الفصل، حسب المحامي، يثير إشكالا قانونيا، يتعلق بالفرق بين قاضي التحقيق والمستشار الذي يكلف بالتحقيق، وقد يقول مهتم بالقانون إن قاضي التحقيق ومستشار التحقيق هما وجهان لعملة واحدة، إلا أنه في نظر المحامي، وبكل تجرد، فالأمر مختلف تماما، إذ أن المشرع المغربي، ولحكمة ارتضاها نص في الفصل 268 من قانون المسطرة الجنائية، أنه في حالة ارتكاب ضابط الشرطة القضائية أو قائد، لجناية أو جنحة، فإن الرئيس الأول يعين مستشارا يكلفه بالتحقيق في محكمته وليس قاضيا للتحقيق. والدليل على ذلك أنه بالرجوع إلى مقتضيات المادة 267 من قانون المسطرة الجنائية، والتي تضم فئة (قاض بمحكمة ابتدائية عادية أو متخصصة) بمناسبة ارتكابه جناية أو جنحة، فإنه نص على تعيين قاض للتحقيق أو مستشار بمحكمته يكلف بالتحقيق، وبالتالي فكلمة «أو» لغويا، يؤكد أبو الوفاء الإدريسي، تفيد التخيير والتخيير يفيد التعدد، وأن التعدد هو وجه للاختلاف، وبالتالي فقاضي التحقيق ليس هو المستشار المكلف بالتحقيق.
وتضاف إلى ذلك، حسب المحامي، الفئة المنصوص عليها في المادة 266 من المسطرة الجنائية، وتضم قاضيا بمحكمة الاستئناف أو رئيس محكمة ابتدائية عادية أو متخصصة أو وكيل الملك أو قاضيا بمجلس جهوي للحسابات، لتورطهم في جناية أو جنحة، فإن الفصل نص أيضا على تعيين قاض للتحقيق أو مستشار بمحكمته لإجراء البحث في الوقائع موضوع المتابعة.
إن المشرع المغربي، يشدد المحامي أبو الوفا، عندما نص بخصوص تعيين قاض مكلف بالتحقيق في القضايا المتابع فيها ضابط الشرطة القضائية أو قائد أو باشا، يعود للاعتبارات الواقعية والقانونية التالية، فقاضي التحقيق يعين بظهير في السلك القضائي من قبل الملك، باعتباره رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ويعين أيضا من قبل الرئيس المنتدب لدى المجلس الأعلى للسلطة القضائية قاضيا للتحقيق لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد باقتراح من الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف، كما يعين من قبل الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية باقتراح من رئيس المحكمة الابتدائية، أما المستشار الذي يكلف بالتحقيق من قبل الرئيس الأول بمحكمة الاستئناف، فهو عادة من قضاة الحكم ولا يمارس التحقيق بالتفصيل الذي ورد.
من جهة أخرى، يتلقى ضابط الشرطة القضائية التعليمات ويقوم بتنفيذ الأوامر والإنابات الصادرة عن قاضي التحقيق، في المدينة نفسها وداخل الدائرة الاستئنافية، طبقا للمادة 86 من قانون المسطرة الجنائية، والتي تنص على أنه إذا تعذر على قاضي التحقيق أن يقوم شخصيا ببعض إجراءات التحقيق جاز له بصفة استثنائية أن يكلف بإنابة قضائية ضباط الشرطة القضائية لتنفيذ هذه الإجراءات.
وباعتبار أن قاضي التحقيق يبقى ضابط شرطة ساميا وتنافيا للمحاباة أو القسوة التي قد يبديها تجاه من دأب على الاتصال بهم قصد تلقي التعليمات وتنفيذ الأوامر، فإن المشرع تنبه لها ونص بصفة استثنائية في الفصل 268 من قانون المسطرة الجنائية على ضرورة تعيين مستشار مكلف بالتحقيق وليس قاضيا للتحقيق.

التحقيق الجماعي

في الآونة الأخيرة، شهد المغرب ملفات وصفت بالكبيرة توبع فيها عدد كبير من الموظفين والضباط، تجاوز عددهم في قضية واحدة أزيد من 20 متابعا، عرضوا على قاضي التحقيق. الملاحظ، يؤكد أبو الوفاء الإدريسي أن المشرع في الملفات التي تتابع فيها فئة خاصة، وهم مستشار جلالة الملك وعضو من أعضاء الحكومة وكاتب الدولة، لارتكاب جنحة أو جناية، قرر أن يجرى التحقيق من قبل عضو أو عدة أعضاء من هيأة التحقيق، في حين أن مقتضيات المادة 268 من قانون المسطرة الجنائية، لم يعط فيها المشرع إمكانية التحقيق إلا لمستشار واحد رغم كبر وحساسية الملفات الكبرى، وبالتالي كان عليه أن يفسح المجال للرئيس الأول بمحكمة الاستئناف المعروضة عليه القضية، تكليف مستشار بمحكمته أو عدة مستشارين نظرا لطبيعة ونوع هاته الملفات، وأيضا لطبيعة الأشخاص المتابعين فيها.
ويؤكد المحامي، أن من شأن تعيين أكثر من قاض للتحقيق في هذه الملفات، أن يساهم في جودة العمل القضائي وتقليص الزمن القضائي للملفات المعروضة أمام هيأة التحقيق، على أساس أن مدة التحقيق في الجنايات محددة في سنة، إضافة إلى ضمان وجهات نظر عديدة لقضاة التحقيق في نازلة واحدة.
فالهدف من هذه الخطوة، هو تقليص الزمن القضائي ومحاكمة المتهمين في مدة أقل، وليس كما حدث في محاكمات المسؤولين بعد أحداث الريف، التي أشرف عليها قاضي تحقيق واحد رغم العدد الكبير من المتابعين، ما تسبب في طول إجراءات التحقيق، وهو ما يمس ضمانات المتهم في محاكمته في أقرب الآجال، إضافة إلى تنوع وجهات نظر قضاة التحقيق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى