fbpx
حوادثمقالات الرأي

سالم: تفويت الديون لمواجهة تداعيات كورونا

“الفاكتورينغ” تقنية قانونية ناجعة لتدبير الانعكاسات الاقتصادية السلبية للأزمة

بقلم: المهدي سالم *

يعيش العالم اليوم وضعا غير مألوف، حيث لم تشهد الدول بمختلف توجهاتها الاقتصادية أحداثا مماثلة لإغلاق المحلات التجارية والمقاولات نتيجة إعلان حالة الطوارئ الصحية في شتى دول المعمور، و من بينها المغرب الذي أصدر بتاريخ 24 مارس 2020 مرسوم قانون رقم 2.20.292 أعلن بموجبه دخول البلد في هذه الحالة الاستثنائية نتيجة لتفشي وباء كوفيد 19، ما شكل منعطفا كبيرا في تاريخ الإنسانية، بالنظر إلى آثاره الوخيمة على الجانب الاقتصادي في أبعاده الوطنية والدولية.

الأكيد أن النص القانوني يشكل الدعامة الأساسية لمختلف التقنيات المالية والبنكية المعوّل عليها، في التخفيف من حدّة التداعيات السلبية للجائحة على الوضعية المالية والاقتصادية للمقاولات التجارية بالمغرب، إذ يلتقي الأساس القانوني بالمحتوى الاقتصادي ليشكل منتوجا جاهزا يسهل اعتماده من قبل المؤسسات المالية في علاقتها بالمقاولات التجارية الفردية أو تلك التي تتخذ شكل شركات تجارية.
وتأسيسا على ذلك، لابد من بحث الآليات التشريعية و قراءة المعطيات والمؤشرات الاقتصادية التي تساعد على تليين حدة الانكماش الاقتصادي المفاجئ، مع الاستعانة بتجارب الدول الأخرى، وآراء الخبراء الاقتصاديين والقانونيين، والاستفادة مما حصل خلال الأزمات الاقتصادية السابقة خاصة الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة ل 2008 .
ومن أبرز خصوصيات الأزمة الاقتصادية الحالية الناتجة عن جائحة كورونا، أنها لم تكن متوقعة من قبل جل الدول المتأثرة بها، وأربكت توقعات منظمة التعاون الاقتصادي و التنمية بخصوص 2020 و2021 وربما سيربكها حتى خلال السنوات اللاحقة، أما بخصوص انعكاس الطابع الفجائي للأزمة على وضعية المقاولة المغربية فيكمن في مخاطر افتقار خزينتها المالية، وعلى وضعية حساب الزبناء نتيجة لصعوبة استرجاع و تحصيل ديونها خلال هذه الظرفية.

ولهذا نعتقد أن من بين التقنيات المالية التي يمكن أن تسعف في تغذية خزينة المقاولات المتأثرة بجائحة كورونا بشكل فوري وتوفير السيولة اللازمة هناك ما يسمى بعقود شراء الفواتير التجارية المعروفة ب”الفاكتورينغ”، و التي تعتبرها المادة الخامسة من القانون البنكي المؤرخ في 14 فبراير 2006 بأنها اتفاقية تلتزم بموجبها إحدى مؤسسات الائتمان بتعبئة ديون تجارية و تحصيلها إما عن طريق شراء الديون المذكورة و إما عن طريق التصرف كوكيل للدائن مع ضمان حسن إنجاز العملية في هذه الحالة الأخيرة، كما يمكن اللجوء في ضوء القانون المغربي إلى تفويت الديون عن طريق تقنية حوالة الديون المهنية المنصوص عليها في المادة 529 من مدونة التجارة المغربية و التي تتيح لكل شخص طبيعي أثناء مزاولة نشاطه المهني أو لكل شخص معنوي خاضع للقانون الخاص أو القانون العام تحويل كل دين ممسوك على أحد الأغيار سواء أكان شخصا طبيعيا أثناء مزاولة نشاطه المهني أم شخصا معنويا خاضعا للقانون الخاص أو القانون العام بمجرّد تسليم قائمة لمؤسسة بنكية، حيث ينقل التفويت للمؤسسة المفوت لها ملكية الدين المحال سواء مقابل تسبيق كلي أو جزئي لمبلغه.

ولا يخفى ما للديون في جانبها الإيجابي – أي حق الدائنية- من قيمة مالية اقتصادية يجعلها قابلة للتداول والانتقال من الدائن الأصلي، إلى دائن آخر محال له بهذا الحق المالي، إذ يكتسب الدائن الجديد هذه القيمة المالية مقابل تعجيل قيمتها أو أقل من ذلك للدائن الأصلي الذي يمرّ بضائقة مالية وشيكة مما يمكنه من تنفس الصعداء و استجماع قواه .
واعتمدت تقنية تحويل الديون آلية مالية بفرنسا لأول مرة في تقرير لوزان سنة 1964، حيث تم تحويل السيولات وشبه السيولات، إلى قروض عن طريق تدخل الأجهزة والمؤسسات العمومية كالخزينة العامة وصندوق الودائع، وذلك لتمكين المقاولات المحوّلة لديونها من السيولة اللازمة.
ونرى أن اعتماد تفويت الديون المجسدة في فواتير، يساعد على إعادة تنشيط الوضعية المالية للمقاولة المغربية باعتبارها حلقة أساسية ضمن النسيج الاقتصادي الوطني، كما يساعد على احتوائها للأزمة في بدايتها ويقوي فرص تعافيها.

وتوصي مجموعة من الخبراء الدوليين والمتخصصين في فرنسا باللجوء إلى تقنية “الفاكتورينغ” باعتبارها وسيلة فعالة لمواجهة التداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا خاصة بالنسبة إلى المقاولات الصغيرة والمتوسطة PME التي تتمكن من توفير سيولة مالية لمواجهة أعبائها وتكاليف الإنتاج وغيرها من متطلبات التجارة المستعجلة، كاقتناء المواد الأولية وأداء الأجور وغيرهما.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل تساعد تقنية “الفاكتورينغ” في الرفع من مردودية المؤسسات المالية المتخصصة في هذا النوع من الأنشطة المالية نتيجة الاقتيات من الأزمة المالية والاقتصادية، إذ يتزايد الطلب عليها خلال هذه الظرفية، وهو ما حصل فعلا عقب أزمة 2008 التي تمكنت خلالها بعض الشركات المتخصصة في خصم الفواتير التجارية من رفع مردوديتها في المغرب بنسبة 40 في المائة، و مع ذلك لابد من التحذير من سوء استغلال الظرفية الحالية تفاديا لسيطرة “أغنياء الأزمة “وهو ما قد يعقّد وضعية المدين المحال عليه الذي يراهن على مرونة المعاملات التجارية، ليجد نفسه أمام دائن جديد غير الدائن الأصلي . ويبدو أنه آن الأوان لمعالجة هذا الموضوع معالجة في شموليته، وتنظم هذا النوع من المعاملات بالاعتماد على الاتفاقيات الدولية المعمول بها في هذا المجال خاصة اتفاقية ottawa””لـ 1988 بشأن العمليات الدولية لشراء الفاتورات، واتفاقية الأمم المتحدة بشأن تفويت الديون في مجال التجارة الدولية لسنة 2001، و توجهات البنك الدولي لوضع قانون نموذجي للفاكتورينغ في أفق 2020-2022، والحصول على نظام قانوني مفصل يراعي مصالح مختلف الفاعلين الاقتصاديين ويحقق توازنا بين الحاجة الملحة للمقاولات الصغيرة و المتوسطة التي تواجه أزمة السيولة، ومصالح باقي الأطراف الأخرى دون أن ننسى وضعية شركات التأمين التي تضطلع بدور مهم في هذه العملية.

ومعلوم أن تعقيد وصعوبة تقنية “الفاكتورينغ” خاصة على مستوى تحمّل مخاطر عدم السداد يدفع بمؤسسات “الفاكتورينغ” إلى الاستعانة بشركات التأمين، و قد نبه المتخصصون في فرنسا إلى أهمية دور هذه الأخيرة، خاصة بعد تفشي جائحة كورونا، مؤكدين أن الديون المؤجلة بين المقاولات الصغيرة و المتوسطة في فرنسا بلغت حوالي 700 مليار أورو، وأن جزءا كبيرا من هذا المبلغ تغطيه شركات التأمين في حدود 200 مليار أورو، وبالتالي فشركات التأمين تعد حلقة أساسية تمكّن من زيادة فعالية تقنية “الفاكتورينغ” لتجاوز التداعيات الاقتصادية لجائحة كوفيد 19.
وفي انتظار رجوع الأوضاع الاقتصادية إلى وضعها الطبيعي وانفراج الأزمة الاقتصادية، فإن الفاعلين الاقتصاديين خاصة المؤسسات المالية تبقى في الصفوف الأمامية لهذه المعركة، من أجل ضمان التمويل السريع لخزينة المقاولات المتأثرة ومعالجة حساب الزبناء لديها، باعتبارها المصدر الأساسي للتمويل قصير المدى، خاصة أن المؤسسات المالية في المغرب راكمت تجارب مهمة في السوق المالي، ومع الفاعلين الاقتصاديين داخل المغرب وخارجه وأصبحت تتوفر على معلومات تجارية ومالية تمكنها من تقييم ملاءة زبناء المقاولات المستفيدة من هذه الخدمات المالية ومساعدتها في تدبير حساب الزبناء.

* مختص في قانون الأعمال والمقاولات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى