fbpx
ربورتاج

أزيـلال … العيـش تحـت الصفـر

الثلج والبرد القارس يقهران سكان جبال الأطلس والمضاربون في الحطب يزيدون من المعاناة

يواجه سكان المناطق الجبلية بالأطلس المتوسط، وتحديدا ضواحي إقليم أزيلال، مشاكل عدة مع حلول فصل الشتاء الذي يتزامن مع التساقطات الثلجية، التي تحمل في ثناياها موجة برد قارس، تصل فيه درجة الحرارة إلى ما تحت الصفر، ويجمد العروق ويحول الحياة إلى موت، بعد أن يحتمي السكان وقطعانهم بمآو تشكل أحايين كثيرة خطرا على حياتهم بسبب الانهيارات بين الفينة والأخرى.

توحد المعاناة اليومية الكبار والصغار ولا تستثني الدواب التي تحرم من الكلإ بعد أن تغطي الثلوج أديم الأرض، وتحول دون نمو العشب الذي يتحول إلى عملة نادرة، وتتضاعف معاناة السكان عندما يتحول حطب التدفئة إلى عنصر هام في الحياة، توازي قيمته الاعتبارية أكياس الدقيق، إذ يجبر المواطن على الصبر على الجوع والحرمان، لكن لا يتحمل لسعات البرد القارس، عندما تتراجع الحرارة إلى أدنى مستوياتها، وتبلغ أقل من خمس أو ست درجات تحت الصفر في مناطق جبيلية نائية.
تتحول المداشر الجبلية النائية، بعد التساقطات الثلجية، إلى مناطق معزولة تنقطع فيها الحياة، وتحديدا زاوية أحنصال وآيت محمد ومرتفعات آيت بوولي وآيت أمديس الشمالية والجنوبية، فضلا عن مناطق بإقليم بني ملال آيت عبدي.
ورغم المعاناة اليومية مع موجة البرد القارس يراهن السكان على مجهودات الدولة لتقديم المساعدات لتحسين مستوى عيشهم، بتعبيد الطرقات وتسهيل نقل قنينات الغاز بتكلفة أقل، وتقريب المراكز الصحية من الدواوير المعزولة، وتجهيز مستوصفات القرب لمعالجة المرضى واستقبال النساء الحوامل اللواتي يقترب أجل وضعهن، فضلا عن تزويد المدارس بحطب التدفئة ولم لا تحسين مردودية التعليم عن بعد بتزويدهم بهواتف محمولة لاستقبال الدروس في منازلهم.

مواجهة البرد بطرق بدائية

يعاني سكان عدد من المناطق، من قبيل جبال أنركي وآيت أقبلي وزاوية أحنصال، بسبب طول فصل الشتاء القارس الذي يمتد أكثر من ثلاثة أشهر، وما يرافقه من كميات الثلوج المتساقطة ما يتطلب وقتا طويلا لذوبانها.
وتعزل التساقطات الثلجية العديد من المناطق والمداشر عن العالم الخارجي، وتحاصر المراعي ويندر الماء بسبب تجمده، كما تتراجع نسبة الكلإ في المراعي ما يضاعف معاناة الفلاحين.
ويواجه مواطنون يقطنون أعالي الجبال آثار البرد القارس بوسائل ذاتية، بجمعهم الحطب تفاديا لاقتناء وتعبئة قنينات الغاز بأثمان ترتفع أحيانا، بعد لجوء بعض المضاربين إلى الرفع من أسعارها لانقطاع الطرق بسبب الثلوج، كما حدث في السنة الماضية، ورغم تدخل السلطات لزجر مخالفي قانون الأسعار يستغل بعض المضاربين الظروف القاسية للمواطن لكسب مزيد من الربح .

قطعان المواشي والأغنام

غضب الطبيعة لا يستثني قطعان الماشية والأغنام التي تعيش أسوأ أيامها بفعل متطلباتها الزائدة من الأعلاف التي ترتفع أثمانها، ما يؤزم أوضاع الكسابة الذين يتخلصون منها ببيعها بأقل الأثمان للحفاظ على القليل منها في زرائبهم.
يقول محمد آيت أوعلي (فلاح) « تتأزم وضعيتنا بفعل الحاجيات المتزايدة لقطعان الماشية والأغنام التي تظل حبيسة الزرائب، وتنال حظها من موجة البرد القارس، كما يتفادى الكسابة إخراج القطعان إلى المراعي إلى حين ذوبان الثلوج، ما يكلفنا مبالغ مالية إضافية لحاجتها الزائدة إلى الأكل يوميا».
وأضاف أوعلي أن خروجها للرعي، يلزمها تناول العشب مغطى بالصقيع، ما يؤثر سلبا على صحتها، ويعجل بظهور أمراض مزمنة تؤدي إلى نفوقها في الحال، كما تسرع البرودة التي تملأ بطونها من إسقاط الأجنة (العجول والحملان).

صعوبات التمدرس

تواجه المؤسسات التعليمية بالعالم القروي والجبلي صعوبات كثيرة، لافتقاد المناطق الجبلية إلى بنيات تحتية تؤهلها للعب دورها الريادي، وتعليم الأطفال وتمكينهم من الدراسة في ظروف جيدة، علما أن بعضا منها تفتقد لوسائل الوقاية من البرد الشديد، رغم الجهود المبذولة من قبل مصالح الأكاديمية التي استنفرت كل إمكانياتها في الموسم الدراسي الجاري، لتوفير حطب التدفئة ، وتحسين ظروف الإيواء في المدارس الجماعاتية التي حققت قفزة نوعية بعد إنجاز 25 مدرسة جماعية جهويا، وتقريبها من التجمعات السكنية، مع تحسين ظروف الإيواء ، في انتظار تعميم التجربة على جهات الإقليم.
وتساهم موجة البرد القارس في تراجع نسبة التمدرس، لعدم قدرة الأطفال الصغار على التنقل إلى المدارس، رغم أن الإدارة التربوية خصصت وسائل عدة للتدفئة منها الحطب الذي يتم توفيره لفائدة المدارس الجبلية لاستعمالاته اليومية.

ونظرا للصعوبات التي تعترض تلاميذ المدارس الجبلية والقروية بجهة بني ملال خنيفرة، تم توقيع، أخيرا، اتفاقية شراكة ثلاثية، جمعت ولاية جهة بني ملال خنيفرة، ومجلس الجهة، والأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين للجهة، لتنفيذ برنامج العمل المتوسط المدى للارتقاء بالعرض التربوي بالجهة.
وتهدف الاتفاقية إلى وضع إطار للشراكة والتعاون من أجل الارتقاء بالتعليم الأولي، وتوسيع العرض التربوي بالجهة، بإحداث مدارس جماعاتية، وداخليات، مطاعم مدرسية، ومؤسسات تعليمية، وتعويض الحجرات من المفكك، والنهوض بالنقل المدرسي، وذلك من أجل تطوير المؤشرات النوعية للمنظومة التربوية بالجهة.
وتقدر الكلفة الإجمالية لهذه الاتفاقية بمليار و784 مليون درهم، إذ تخصص الجهة 584 مليون درهم، لإحداث المدارس الجماعاتية، والمطاعم المدرسية، والداخليات، واقتناء حافلات النقل المدرسي. فيما تخصص الأكاديمية مليارا و200 مليون درهم لإحداث حجرات التعليم الأولي، ومؤسسات تعليمية بالأسلاك الثلاثة، وتعويض البناء المفكك، وبناء الأسوار والمرافق الصحية بالمؤسسات التعليمية بالجهة.

انقطاع الطرق يؤزم وضعية المرضى

لا يجادل أحد في أن الوضع الصحي بمنطقة أزيلال والقرى المجاورة يعاني مشاكل بفعل التضاريس الصعبة، فضلا عن كميات الثلوج التي تعزل تجمعات سكانية عن العالم الخارجي، وتحول دون وصول الإمدادات إلى السكان الذين يعيشون أوضاعا صعبة، رغم مبادرات المندوبية الإقليمية للصحة التي عبأت الموارد البشرية واللوجستيكية لتخفيف معاناة المرضى بتجهيز المرافق الصحية بمستشفيات القرب، خصوصا النساء الحوامل اللواتي يدركهن مخاض الولادة.
ورغم التعبئة الشاملة التي تقوم بها الجهات الوصية على القطاع في المواسم الماطرة، باعتماد مقاربات صحية جديدة لإنقاذ المرضى، تقع بعض المشاكل بعد انقطاع الطرق بسبب كميات الثلوج المتساقطة, ما يدفع وزارة الصحة لاستعمال مروحيات طبية لنقل المرضى.

تدابير استباقية

لتخفيف معاناة السكان في المواسم الباردة، اتخذت عمالة إقليم أزيلال بتنسيق مع المندوبية الإقليمية للصحة، تدابير عاجلة من أجل تعبئة الفرق الطبية وشبه الطبية اللازمة لضمان تزويد المراكز الصحية والمستوصفات بالأدوية الضرورية لمواجهة الانخفاض الكبير في درجات الحرارة.
وتم إحصاء ما مجموعه 1867 من النساء الحوامل، تابعات إلى 25 جماعة في جميع المناطق التي همتها التساقطات الثلجية بالإقليم، وسيتم التكفل بهن مسبقا في “دار الأمومة” ومراكز صحية أخرى مخصصة لهذا الغرض، كما سيتم تتبع حالاتهن الصحية بشكل دقيق إلى حين بلوغ الوضع.
أما القوافل الطبية، فتم تجهيزها لتزويد المرضى بالأدوية اللازمة وفحص الحوامل، ويرتقب في الأيام القليلة المقبلة إجراء عملية تلقيح للأطفال دون سن الخامسة والنساء في سن الإنجاب والأشخاص المسنين (أكثر من 65 عاما) بلقاح ضد الأنفلونزا الموسمية.
ولتجنب الخصاص المهول في الموارد البشرية الطبية، عبأت السلطات الإقليمية 48 طبيبا وما لا يقل عن 114 ممرضا وتقنيا في المجال الصحي في 28 مؤسسة صحية معنية بتدبير موجة البرد. وبرمجت المندوبية الإقليمية للصحة تنظيم 114 حملة طبية ونشر أكثر من 16 حملة مصغرة متنقلة, إضافة إلى مهمات من المنتظر أن يقوم بها الطاقم الطبي للمندوبية إلى المناطق المتضررة.

مهن الثلج

أنعشت موجة البرد القارس، التي تجثم حالياً على صدر مناطق جبلية بأزيلال، عدداً من المهن التي تلقى رواجاً لافتاً خلال هذه الفترة من السنة، وتحديداً خلال التساقطات الثلجية.
ومن أشهر «مهن البرد القارس» التي يقتات منها أصحابها، بيع أجهزة التدفئة، إذ تتهافت الأسر على اقتناء هذه الوسائل الكهربائية طلبا للدفء، بعد عرضها من قبل باعة على الأرصفة، إضافة إلى الفحم الخشبي أو «الفاخر» الذي يقبل عليه سكان المناطق الجبلية في أيام البرد والصقيع، ويستعملونه في تدفئة أجسادهم وبيوتهم، من خلال وضعه في «مجمر» أو «كانون» يجتمع حوله أفراد الأسرة، من أجل محاربة البرد الذي يمزق الأحشاء.

تعبئة شاملة

بعد أن عرفت المناطق الجبلية بالإقليم تساقط كميات هامة من الثلوج، تدخلت مصالح عمالة أزيلال في الوقت المناسب لفتح المسالك الطرقية القروية والجبلية، التي شهدت انقطاع حركة المرور بسبب التساقطات الثلجية بكثافة، مع الأخذ بعين الاعتبار الظرفية الوبائية العصيبة التي تعرفها بلادنا.
يقول عبد الرحمان الصوفي، رئيس قسم البرمجة وتتبع المشاريع لعمالة أزيلال، إن مصالح العمالة عبأت، أسطولا من الآليات والموارد البشرية المهمة لمواجهة الظروف المناخية التي تصاحب فصل الشتاء، الذي يشهد تساقط الثلوج بكميات كبيرة ما يساهم في عرقلة حركة السير بالطرق غير المصنفة والدواوير.
وأضاف أن التدخل استهدف محاور طرقية عدة لإزاحة الثلوج بكاسحات تم توزيعها لتحرير طرق غير مصنفة ومسالك قروية وجبلية وفك العزلة عن سكان الدواوير الذين استبشروا خيرا بالأمطار الأخيرة التي جادت بها السماء، ما يرفع منسوب الفرشة المائية وحقينة السدود.
وتترقب فرق التدخل النشرات الإنذارية الصادرة عن مديرية الأرصاد الجوية الوطنية كل يوم، للتدخل ومواجهة أي طارئ، إذ جهزت خمس شاحنات كاسحات للثلوج وآلتي رفع، وآلة للتسوية وست سيارات ذات دفع رباعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى