fbpx
خاص

مستقبل الصحراء بعد الاعتراف الأمريكي

الروداني وأتلاتي الخبيران في الدراسات الإستراتيجية أكدا لـ”الصباح” أن التراجع عن مغربية الصحراء مستحيل
قال الشرقاوي الروداني وطارق أتلاتي، الخبيران في الدراسات الإستراتيجية لمحاربة الإرهاب، إن جو بايدن الرئيس الأمريكي المقبل، لن يتراجع عن القرار الرئاسي، الذي وقعه سلفه دولاند ترامب، بما أنه سيادي وغير قابل للنقاش.
وعزا الخبيران في الدراسات الجيو- إستراتيجية، أسباب ذلك، إلى أن أي تراجع سيفتح المجال لمشاريع تنموية لروسيا، والصين الشعبية، المنافسين القويين لأمريكا، وبالتالي تعزيز مكانتهما في القارة الإفريقية، خاصة في غربها، الذي تصل كثافته السكانية 700 مليون نسمة.
 وأضاف الشرقاوي وأتلاتي، اللذان حلا ضيفين على مكتب «الصباح» في الرباط، أن المغرب تربطه بأمريكا علاقات متنوعة تتمثل في محاربة الإرهاب، وتبادل المعلومات، ومواجهة التهديدات في منطقة الشرق الأوسط الكبير.
ونوه الخبيران في الشؤون الإفريقية والصحراء المغربية، بالطريقة الذكية للقوات المسلحة، التي تم بها فتح معبر الكركرات، لأنها دفعت هيأة الأمم المتحدة ومجلس الأمن ودول العالم إلى مساندة المغرب، من أجل تأمين نقل البضائع، وطرد قطاع الطرق من جماعة “البوليساريو”. وبينما أكد الشرقاوي أن المغرب لا يحتاج إلى سفير في تل أبيب، وأنه يتوفر على مليون مغربي يمثلون الجالية اليهودية، ضمنهم وزراء وشخصيات وازنة، اتهم أتلاتي معادي الوحدة الترابية بالنقص وغياب بعد النظر في تحليل الأشياء بواقعية، مؤكدا أن المغاربة لا يتاجرون في القضية الفلسطينية، كما تدعي الأنظمة الشمولية، ضمنها الجزائر.
إعداد: مكتب الرباط وتصوير (عبد المجيد بزيوات)

> كيف ترون قرار الاعتراف بمغربية الصحراء من الناحية الجيو إستراتيجية إقليميا ودوليا؟
> الروداني:
جاء القرار الأمريكي في سياقات متعددة، بينها وجود تحول في المقاربة الأمريكية في التعاطي مع الأمن والاستقرار، في منطقة شمال إفريقيا، والشرق الأوسط، طبقا لخطة أمنية تسمى “فراجيلتي آكت 2019″، والتي حينت في نسختها الجديدة في 2020، لأجل ضمان استتباب الأمن، في الشرق الأوسط الكبير، الممتد من باكستان إلى المغرب، والذي شهد تطورات مهمة على صعيد النظام العالمي.
ولأمريكا علاقة قوية مع المغرب في تدبير مجموعة من الملفات الإستراتيجية، حساسة جدا على مستوى عمل مجلس الأمن، الذي يشتغل مثل لعبة شطرنج، بتناول ملفات مترابطة في إطار جيو سياسي جديد.

> أتلاتي:
إن قرار اعتراف أمريكا بمغربية الصحراء، جاء تتويجا لعقدين من السياسة الحكيمة للملك محمد السادس، الذي كانت له الجرأة في اتخاذ القرارات المرتبطة بملفات مصيرية، بينها طي صفحة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وزيارة كل عواصم الدول من روسيا إلى أمريكا، مرورا بإفريقيا والدول المغاربية، لوضع منظور دبلوماسي جديد، قوامه التعاون الاقتصادي. ولعب جلالة الملك دورا كبيرا في منطقة الشرق الأوسط، ما مكن من تجنب رياح الربيع العربي بأقل الخسائر مع إصلاحات دستورية وسياسية.
 
> كيف دبر المغرب هذا الاعتراف مع أمريكا ضمن السياقات المتعددة؟
> الروداني:
اعتقد أن هناك محددات دفعت أمريكا إلى الاعتراف بمغربية الصحراء، وتتمثل في امتلاكها مفاتيح جيو سياسية في شمال إفريقيا، خاصة بعد التطورات الأخيرة، التي تعرفها ليبيا، ومنطقة البحر الأبيض المتوسط، ومنطقة الساحل والصحراء الإفريقي، التي تتطلب استقرارا. وتتمثل أيضا في حماية الحدود والأمن القومي لكل دول العالم الحر، عبر تضييق الخناق على تحرك التنظيمات الإرهابية، التي تمس استقرار منطقة شمال إفريقيا والمنطقة المتوسطية، ومنطقة الساحل الإفريقي، خاصة بعد التغير الأخير، الذي أدى إلى توطيد العلاقة بين عدنان أبو الوليد الصحراوي، زعيم تنظيم ” داعش”،  وإياد أبو الغالي، زعيم تنظيم القاعدة، ما أدى إلى تهديد استقرار المنطقة برمتها.
 كما يوجد محدد آخر دفع أمريكا إلى الاعتراف بمغربية الصحراء، ويتجلى في توطيد مقترح الحكم الذاتي في 2007، الذي شكل تحولا في المقاربة الأممية للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.
وساند قرار مجلس الأمن 2548 ومعه القرار 1520، الموقف الأمريكي، ما شكل ضربة قوية لخصوم الوحدة الترابية، وقبلهما موقف المبعوث الأممي السابق بيتر فان والسوم، الذي أكد استحالة إنشاء دولة جديدة في منطقة من شأنها إحداث الفوضى ومساعدة التنظيمات الإرهابية على تهديد الأطلسي، والمنطقة المتوسطية وكل أوربا.

> أتلاتي:
أعتبر أن أمريكا حليف إستراتيجي قديم وليس جديدا، بحكم تاريخ العلاقات القائمة بين البلدين على جميع المستويات التجارية، منها والعسكرية، وتوجت أخيرا بتبادل المعلومات في محاربة الإرهاب، إذ يشكل المغرب عنصرا حاسما في الحرب الدولية على الإرهاب خارج سياسة التضليل، التي يتقنها البعض للترويج لأحقيتهم في حل ملفات الإرهاب بمقايضة الرهائن.
كما جاء القرار الأمريكي الرامي إلى الاعتراف بمغربية الصحراء، بعد توطيد العلاقة السياسية والجيو- إستراتيجية والاقتصادية، تجلت خصوصا في إقامة مناورات الأسد الإفريقي في المنطقة الجنوبية، والتعاون العسكري في شراء الأسلحة الأكثر تطورا.
 وعن وضعية حقوق الإنسان، أصدرت الخارجية الأمريكية تقارير كثيرة، أكدت فيها أن المغرب يسير بخطى ثابتة لترسيخ حقوق الإنسان في كل المناطق من الشمال إلى الجنوب، ما جعل الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، يستبعدان كل مناورات الخصوم بتوسيع صلاحيات المينورسو، لتشمل مراقبة حقوق الإنسان، فكسب المغرب الرهان.
وبذلك اكتملت الصورة، ومن كل الزوايا لدى أمريكا، كي تدخل إلى القارة الإفريقية من بوابة المغرب، وتعزز وجودها.
 
القرار الأمريكي يدعم الحكم الذاتي
> هل  سيعزز القرار الأمريكي المعترف بمغربية الصحراء مقترح الحكم الذاتي؟
> الروداني:
جاء القرار الأمريكي في سياقات أسهبنا في توضيحها، ويعد تتويجا أيضا للقرارات الأممية، التي صيغت في إطار مفاهيمي، عبر استعمال مجلس الأمن لغة جديدة، بالتأكيد على الحل السياسي لحل النزاع المفتعل، وهو الحكم الذاتي، الذي يعد تقريرا للمصير الديمقراطي، حتى يدبر سكان المنطقة شؤونهم بأنفسهم، في ظل سيادة المغرب على كافة أقاليمه الصحراوية،  انطلاقا مما أكده المبعوث الأممي فالسوم بضرورة تجاوز الحل الكلاسيكي، الرامي إلى فصل الصحراء عن المغرب، لأنه تصور غير واقعي.
ومن هذا المنطلق، لا يوجد شيء اسمه ” الشعب الصحراوي”، بل هناك سكان في المناطق الصحراوية، كما جميع المناطق الأخرى، إذ يشكلون جزءا من الهوية المغربية، متنوعة الروافد والثقافات.
> أتلاتي:
أعتبر القرار الأمريكي داعما للحكم الذاتي، الذي وصفته الإدارة الأمريكية منذ سنوات بالجدي، والمسؤول، والقابل للتطبيق، وله مصداقية، وهو الحل الوحيد المقترح داخل هيأة الأمم المتحدة، والذي صمد 13 سنة، ما يعني أنه مقترح واقعي قرره الملك محمد السادس في 2007، بجرأة سياسية، سقفا أعلى.
كما أن الحكم الذاتي يكرس مقولة الملك الراحل الحسن الثاني “إن الوطن غفور رحيم”، لمنح سكان المنطقة صلاحيات واسعة، من أجل تدبير شؤونهم بأنفسهم، في ظل ضوابط السيادة المغربية كاملة.
ويعد تأمين المغرب معبر الكركرات بطريقة سلمية، مربط الفرس،  الذي أدى إلى ربح معركة أخرى بطريقة سلمية شبيهة بمسيرة خضراء ثانية نسفت مخططات جنرالات الجزائر، الذين خططوا لتدخل عسكري، واندلاع حرب من خلال نشر صور الموتى، إلا أن تدخل الجيش المغربي كان ذكيا، بعدما أعاد الأمور إلى نصابها، وقطع الطريق على كل أولئك، ممن أرادوا زعزعة المنطقة. والأهم من كل ذلك أن جلالة الملك أجرى مكالمة هاتفية مع الأمين العام، مخبرا إياه بالوضعية غير الآمنة بالمنطقة، ما فرض تدخلا سلميا لإنهاء الفوضى، وبذلك حصل المغرب على دعم ومساندة من قبل الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

لهذه الأسباب لن يتراجع بايدن
> ماذا يعني عمليا فتح قنصلية أمريكا بالداخلة؟
> الروداني:
لم تأت عملية فتح قنصلية أمريكية بالداخلة عبثا، بقدر ما شكلت استمرارا لهندسة جيو- إستراتيجية بين المغرب وأمريكا منذ عقود، توجت بإجراء مناورة الأسد الإفريقي بالمنطقة الجنوبية، باستعمال أحدث أنواع الأسلحة.
 ويتجلى التعاون أيضا في المصادقة على قانون المالية الأمريكي في بنده الثالث، بتقديم دعم مالي للإسهام في عدد من المشاريع التنموية بالأقاليم الجنوبية، ما أدى إلى قرار فتح قنصلية استثمارية بالداخلة ستساعد على توطين شركات كبرى ستشتغل بالمغرب، وسيكون لها امتداد إفريقي بغرب إفريقيا، وستخصص في البداية 3 ملايير دولار، وسترتفع مع تنويع المشاريع التنموية.
> أتلاتي:
أعتقد أن فتح قنصلية أمريكية بالداخلة، تتويج لعمل سياسي امتد سنوات بين الولايات المتحدة والمملكة المغربية، والمتمثل في تأكيد مغربية الصحراء، وطريقة سياسية اقتصادية لتنويع المشاريع التنموية المنتظرة، التي ستقام على أرض الواقع بربط الجنوب المغربي بعمقه الإفريقي. ويعد التعاون الاقتصادي استمرارا للمخطط التنموي، الذي وضعه المغرب منذ سنوات وصرف عليه 85 مليار درهم.
ويأكد القرار الأمريكي بفتح قنصلية، أحقية التدخل المغربي في معبر الكركرات، بغرض تسهيل نقل البضائع، بين المغرب وموريتانيا في ظروف آمنة، وبالتالي إبعاد قطاع الطرق عن المنطقة.
 
> هل سيصادق جو بايدن الرئيس الجديد على قرار ترامب؟ أم سيتراجع؟
> الروداني:
هناك خمسة أسباب ستحول دون تراجع إدارة أمريكا الجديدة برئاسة جون بايدن عن قرار الاعتراف بمغربية الصحراء. ويكمن السبب الأول في أن القرار سيادي اتخذ من قبل دولة عظمى لها معادلات جيو- إستراتيجية في القارة الإفريقية، وأي تراجع سيؤدي إلى خلل سيستفيد منه  المنافسان “أورازيا روسيا”، و” شنغاي وان رون، وان بالت” الصيني، لهذا لن تتخلى أمريكا عن المغرب، ولن نفاجأ، حينما ستدعم مشروع غاز نيجيريا المغرب، أوربا.
والسبب الثاني يتحدد في أن علاقة الرباط بواشنطن لن تتغير بتغير أي لون حزبي، سواء جمهوريا أو ديمقراطيا، لكنه يتأسس على مؤسستي البيت الأبيض، و”البانتغون”، التي وقعت صفقة أسلحة مع المغرب تتجاوز السلاح الكلاسيكي في الحروب، وتهم طائرات “أباتشي 64″، وإف 16 فايب، و”فايتين فالكون”، ومنظومة ربط جوي عبر الأقمار الاصطناعية في منظومة دفاع فضائية.
أما السبب الثالث، فيتمثل في أن القرار الأمريكي لم يأت صدفة، بل جاء نتيجة تراكمات كثيرة مهمة برؤية شاملة تهم الوضع في القارة الإفريقية، ومنطقة البحر الأبيض المتوسط، والشرق الأوسط الكبير. فيما السبب الرابع يهم حل معادلة مضيق هرمز، لصد التهديدات المحتملة في المنطقة، وضمان حماية جيو- إستراتيجية تمتد حتى شمال إفريقيا والمنطقة المتوسطية بمضيق جبل طارق، وأي تراجع سيرفع مستوى هذه التهديدات وستتشابك الملفات على المستوى الدولي، ما قد يغير موازين القوى.
والسبب الخامس، أنه لا يمكن التراجع عن القرار الأمريكي بخصوص مغربية الصحراء، كما حصل مع الاتفاقية الدولية لتغير المناخ، بما أن الأخيرة مرتبطة بدول العالم ومصالح اقتصادية محضة، وبما أن أمريكا والمغرب لهما علاقات مشتركة على المستوى الجيو- إستراتيجي، فإنهما معا سيشكلان شراكة مع الدول الإفريقية من منطلق رابح – رابح، لتسويق منتجات لأزيد من 700 مليون نسمة.
> أتلاتي:
لا يمكن لإدارة بايدن التراجع عن قرار الاعتراف بمغربية الصحراء، لأن الإدارة الأمريكية تشتغل وفق منطق مؤسسات الدولة، وليس سياسة حزب معين، لذلك، فإن بايدن لن يتراجع عن القرار الرئاسي، الذي سيفتح لواشنطن ولوج باب القارة الإفريقية، المنسحبة منها قبلا، لفائدة الدول التقليدية مثل فرنسا. ومن يقارن مواقف الدول الأنجلوسكسونية الأخيرة، سيتأكد من أن الاتفاق المغربي الأمريكي إستراتيجي، وليس ظرفيا بأي حال من الأحوال. كما لا يمكن لإدارة أمريكا فك الارتباط بحليف يحارب الإرهاب، وله قوة إقليمية بالمنطقة، وأي تراجع سيفتح الباب على مصراعيه لقدوم روسيا، التي ستحصل على هدية مجانية، شأنها شأن تركيا، التي حاولت دخول إفريقيا عبر بوابة ليبيا، فأغلق المغرب الباب عليها، ودفعها إلى حمل مخططها والاتجاه صوب أذربيدجان.
والخاسر الأكبر، حسب ما يجري في المنطقة، هي فرنسا إذا لم تسارع إلى الاعتراف بمغربية الصحراء، شأنها شأن بريطانيا، ثم إسبانيا وألمانيا، والصين الشعبية، فهي دول ستربح كثيرا مع المغرب، الذي يجتهد ويطور قدراته  الصناعية، ويخدم مصالح شعبه.

“كلينا الدق” بسبب فلسطين
> ما رأيك في أحزاب مشاركة في الحكومة ومعترضة على الاتفاق الثلاثي؟
 > أتلاتي:
إنها مسألة غير مفهومة بالنسبة إلي، لأن الدولة انخرطت في الاتفاق الثلاثي، وربطت بين استئناف العلاقات مع إسرائيل بالقضية الفلسطينية، وأكثر من ذلك نظرت إليه في الشق السلبي بدل الإيجابي، من خلال ترديد بعض العبارات من أن المملكة المغربية تتاجر بالقضية الفلسطينية، مع أن الملك هو الزعيم الوحيد، الذي كتب خطابا شديد اللهجة إلى دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي، وحذره فيه من نقل سفارة بلاده إلى القدس الشرقية، معتبرا الأمر غير مقبول، بعدما راسله بصفته رئيسا للجنة القدس. ولو كنا نتاجر بالقضية الفلسطينية، لأمكن لنا إقامة علاقات جديدة مع أمريكا، في غياب سفير، بمعنى أننا لم نكن على ما يرام، أو على الأصح أن العلاقات لم تكن طبيعية وراقية. وعندما لم يكن لديك سفير ببلد ما فمعناه أن التمثيلية ناقصة، فكيف نتاجر بالقضية ونحن “كنكلو الدق”، لأجل فلسطين.
إن ما عانيناه في علاقتنا بأمريكا منذ ثلاث سنوات، ليس بسبب الصحراء المغربية، أو حقوق الإنسان، بل لدعمنا القضية الفلسطينية، ونفعل ذلك عن طيب خاطر، لأن المغرب منذ الصراع العربي الإسرائيلي، وهو يشارك مدنيا وعسكريا، سواء خلال حرب 1967 أو 1973، بعدما منحنا جنودا وضباطا كبارا، وزهقت أرواحهم في سوريا والجولان وسيناء، بمعنى أننا ضحينا بالغالي والنفيس، لأجل القضية الفلسطينية، وأن الجيل الحالي لا يعرف عديد الأشياء، مثلا اقتطاع ضرائب بطريقة غير مباشرة عن الخدمات المقدمة للمواطنين، لدعم الشعب الفلسطيني.
 
> ترى ما هو الجديد في هذا السياق؟
> أتلاتي:
الجديد هو أنه بعد انهيار الأنظمة الشمولية، التي كانت تعاكس كل تحول ايجابي، ستعرف ضغطا، وستضطر إلى تغير سياستها، كما وقع في المنطقة العربية، و شمال إفريقيا والشرق الأوسط، لأجل السلام. وحتى سياسة إسرائيل تغيرت، إذ لم يبق هناك إسحاق شامير، رجل يؤمن بالقتل والدم، بمعنى آخر سنشهد ميلاد جيل جديد من القرارات السياسية، والدليل أن جائحة كورونا دبرت بطريقة كونية وبشكل إنساني، فالكل يبحث عن اللقاح لإنقاذ البشرية جمعاء.
وإذا لم يكن في إسرائيل بعض الأشخاص المعتوهين، فمن يمنع من تثبيت السلام، فأنا لا أفهم شخصيا رجل فكر يعاكس منطق السلام، وإلى متى سنظل نحارب، وما يمنعنا من تجاوز ذلك إذا توفرت الشروط والأدوات لتحقيق السلام.
وأعتقد أن حاليا هناك حكام في الشرق الأوسط، وعلى رأسهم جلالة الملك محمد السادس، الذين يفكرون بمنطق الحكمة والتبصر، من أجل إبرام اتفاقيات، الغرض منها تثبيت السلام لفائدة الفلسطينيين، وأستغل هذه الفرصة للإحالة على محطة في غاية الأهمية، عندما استقبل الراحل الحسن الثاني شمعون بيريز، ثارت ثائرة الأنظمة الشمولية، واعتبرت المغرب خائنا، فكان جوابه واضحا “إذا لم أستقبل الإسرائيليين، فمن سيوقع معكم السلام”، فلابد من الجلوس مع الطرف الآخر على طاولة المفاوضات.

الجزائر تتخبط في شعارات وهمية
> هل الأنظمة الشمولية لم تعد مؤثرة؟
> أتلاتي:
طبعا لم يعد لها وجود، عدا الجزائر، التي مازالت تتخبط في شعارات وهمية، حتى إن قنواتها الرسمية سارت في الاتجاه نفسه، وتبث أحداثا لا علاقة لها بالواقع، كما تفبرك أخبارا ومزاعم لأجل تمويه الرأي العام، الذي لا يؤمن بتلك الخرافات.

> هل يمكن أن نتوقع الوضع السوري في الجزائر؟
> أتلاتي:
 بكل صدق، إذا استمر النظام الجزائري بمنطق العسكر في تدبير الدولة، أنا لا أشك في ذلك قطعا، ولا نرتضي حدوثه، لأننا جزء من الاتحاد المغاربي، وهذا نداء إلى الشعب الجزائري، حتى يأخذ الأمور بجدية، ولا يترك بلاده بيد العسكر، وتندلع الحروب الأهلية، والتي يمكن أن تتجاوز مخلفاتها العشرية الماضية، لا قدر الله، فنحن في سياق لا يرحم. وأعتقد أن هناك تخبطا في الجزائر غير مفهوم، فالجنرال كايد صالح كان ضد التحالف القطري التركي، وعندما تولى شنقريحة زمام الأمور تحقق العكس، بمعنى أنها ليس دولة، أو خط ثابت في الخط الإستراتيجي والجيو- إستراتيجي، إنها تتخبط وفق ما تشتهيه رياح المنطقة، وهو أمر صعب بالنسبة إلى دولة لا يكون فيها نظام.

> هل لديك معطيات حول حجم الاستثمارات الأمريكية في الصحراء المغربية وعلاقته بإفريقيا ومنطق “رابح رابح”؟
> الروداني:
وضع المغرب منذ مدة اللبنات الأساسية في منطقة الصحراء المغربية، وتحديدا منذ 2015، بعد إطلاق المشروع التنموي بالمناطق الصحراوية، إذ بلغت تكلفته حوالي تسعة ملايير دولار من الاستثمارات، وضم مشاريع كبرى، واليوم نتحدث عن حوالي 18 ألف كيلومتر من الطرق المعبدة وميناء الداخلة الأطلسي، والاقتصاد البحري، الذي يعد توجها مهما للمملكة المغربية، وربما قد يؤثر على الرؤية الاقتصادية للمملكة بشكل عام، والاقتصاد البحري الذي يقصد به جميع تجلياته البحرية، والتكتلات على مستوى البنيات التحتية البحرية.
 أعتقد أن المناطق الجنوبية ستكون صلة وصل بين واشنطن وباقي دول إفريقيا، والمهم في كل هذا نتحدث عن مشروع «أرماتون»، الذي يبلغ حجم استثماراته ثلاثة ملايير دولار، وهو مشروع أمريكي للطاقة الشمسية، ونتحدث عن استثمارات قد تتجاوز في ظرف عشر سنوات المقبلة 20 مليار دولار، وأعي جيدا ما أقول.
وهناك مسألة أخرى تتعلق بالاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، سيقوي جاذبية المملكة في الاستثمار في الأقاليم الجنوبية، والتي يطلق عليها الاستثمارات الخارجية المباشرة، التي ستكون مهمة في الأيام المقبلة، والمناطق الجنوبية ستكون منصة لمجموعة من الأمور المرتبطة برغبة واشنطن في إيجاد موقع قدم جديد وسوق جديد في إفريقيا، إذ كما يرى الجميع أن هناك العديد من القوى تتصارع على المستوى الاقتصادي بإفريقيا، منها روسيا والصين، والآن دخلت تركيا بشكل قوي.
 وستلعب المناطق الجنوبية دورا كبيرا في المعادلة جيو- اقتصادية لواشنطن، وبعض الدول الأوربية، خاصة بريطانيا، المنتظر أن تعود بشكل قوي، واكتشفنا هذا في تدبير ملف الساحل وجنوب الصحراء، إذ رفضت بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية الدخول في المشروع الفرنسي الخاص بالمعادلة الأمنية، بعد أن حاولت فرنسا وضع إطارها في المنطقة.

> ما هي أسباب الرفض؟
> الروداني:
أعتقد أن بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وجدتا أن مصالحهما غير مؤمنة، وبالتالي فإن الموقف الأمريكي والتطورات المقبلة، ستخلخل مجموعة من المعادلات في منطقة غرب إفريقيا، وأعتقد أن المغرب  سينضم قريبا إلى مجموعة «سيدياو»، أي المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، وهي مجموعة تضم حوالي 700 مليون نسمة، إذ سيضع إستراتيجية متعددة الأبعاد في مجموعة من الميادين المرتبطة بالصناعة المؤثرة، التي يطلق عليها «هاي تيك»، وهو ما تعمل عليه إسرائيل التي تعد من الدول الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، بحكم أن هناك مجموعة من الشركات الرائدة في هذا المجال، وتفوق قوتها الشركات الألمانية والبريطانية، ونتحدث هنا عن تكنولوجيات متطورة، مثل «العيون المتحركة» موبايل آيز»، و «فيزيالي» و»فون سوفران» الإسرائيلي، الذي يعد حجمه الاستثماري 15 مليار دولار، فهناك اهتمام بالاستثمار فيه بالمغرب.

المغرب سيصبح رائدا في صناعة الأسلحة
> هل ستدفع هذه الصناعات المغرب للشروع في التصنيع الحربي؟
> الروداني:
لا يجب أن ننسى أن المغرب وضع إطارا كبيرا لصناعة الأسلحة، ومررنا قانونا يطلق عليه «الأمن السبرياني»، ونتوفر على رزنامة قانونية للذهاب بعيدا في هذه الصناعة.
وأشير هنا، إلى أن إسرائيل تتوفر على برنامج عسكري قوي جدا، يطلق عليه «كارمل»، وأعتقد أن المغرب مهتم بهذا البرنامج، يعني أن المغرب المصنف ضمن منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط، سيكون دولة صناعية على المستوى العسكري خلال 10 أو 15 سنة المقبلة، ودولة رائدة على مستوى الأمن «السبرياني»، بحكم أن « 5 جي 1» أصبح محددا في جيو- سياسيات الأمن على المستوى الدولي، خاصة في منطقة غرب أوربا وإفريقيا.

> ما هي الامتيازات الأخرى التي سيقدمها المغرب للولايات المتحدة الأمريكية؟
> الروداني:
هناك أمر مهم جدا، أن البعد الإفريقي للمملكة المغربية، يمكن أن يقدم للولايات المتحدة الأمريكية مجموعة من المعادن النفيسة المحددة في المستقبل للعالم بأسره، وعندما نتحدث عن «الليثيوم» و»كوبالت»، فإننا نتحدث عن دول لها علاقة إستراتيجية كبيرة مع المغرب، ثم إن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تراقب تحركات المغرب بشكل دقيق جدا، والمغرب وضع إطارا دبلوماسيا مهما على مستوى القارة الإفريقية، بعد عودته إلى مؤسسة الاتحاد الإفريقي، وسحب الاعترافات ببوليساريو لعدد من الدول، مثل جنوب السودان وزامبيا، والتي تعد من الدول الكبرى المؤثرة، إضافة إلى علاقة المغرب على المستوى الثنائي مع مجموعة من الدول، الشيء الذي يؤكد أن المغرب لديه شبكة، وواشنطن عرفت هذه الشبكة وفهمتها، وأنه دون المغرب لا يمكن للولايات المتحدة أن تتوجه إليها مباشرة، وصورة جلالة الملك عند رؤساء الدول الإفريقية كبيرة جدا، ولا يمكن تصورها، إذ يعد بمثابة قائد حقيقي بالنسبة إليهم على جميع المستويات.  
 
> هل يعني هذا أن الولايات المتحدة اعترفت بسيادة المغرب على صحرائه لهذه الأسباب؟
> الروداني:
لقد دفعتنا العلاقات الإستراتيجية الكبيرة مع إخواننا الأفارقة إلى كل ذلك، والمغرب قدم منصة كبيرة للولايات المتحدة الأمريكية، وقوتنا الآن كيف يمكن أن نستفيد من الوضع من الناحية المالية والاقتصادية والعسكرية، الشيء الذي يفرض علينا مستقبلا البحث عن مفاوضين جيدين، للتفاوض على مصالحنا في إفريقيا والشرق الأوسط.
بالنسبة إلى الشق الاقتصادي في الأقاليم الجنوبية للمملكة واضح، والدور الذي ستلعبه جهة الداخلة وادي الذهب منصة قارية على المستوى التجاري، كان هناك توعك بسيط يتعلق بالكويرة في علاقتنا مع موريتانيا، وحل الآن، رغم أن هناك تفاصيل بخصوص هذه المسألة تتعلق بوضعية الميناء، وفي نهاية المطاف عرفت حقيقة  الأمور، بعد محاولة السيطرة على معبر الكركرات من خلال فتح معبر الزويرات، لكن الآن رجعوا إلى رشدهم، بعد أن أدركوا حقيقة الأمور.

عودة العلاقات مع إسرائيل حماية لفلسطين
> هل الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، كان مشروطا بإعادة العلاقة بين المغرب وإسرائيل؟
> الروداني:
العلاقات الدولية، تعد ديناميكية وليست قارة. هناك تحولات في منطقة الشرق الأوسط، والتي أصبحت تؤثر على شرق البحر الأبيض المتوسط، وشمال غربه، ما يدفعنا إلى القول إن جيو – سياسية المغرب، أصبحت مؤثرة بما يقع في المنطقة برمتها. نحن أمام خطوط معادلات جيو – إستيراتيجية كبيرة، تهدد الأمن القومي للمغرب. اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على الأقاليم الجنوبية، أطر مفهوم العلاقات الإستراتيجية لأي دولة مع الرباط، أي الاعتراف بمغربية الصحراء، والذهاب بعيدا في استثمارات كبرى على مستوى المنطقة، وأيضا على مستوى حزام اقتصادي، سيتحرك في الزمان والمكان نحو دول غرب إفريقيا، ونحن القارة الإفريقية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن المغرب أصبح دولة محورية في الهندسة العسكرية الأمريكية على مستوى تدبير الأزمات.
القرار الأمريكي خلخل العديد من المعادلات، التي كانت بعض الدول حريصة عليه، منها الدول الغربية، التي لم يعد دورها مهما، بالنسبة إلى المغرب، سيما أن تغيير ذلك، يتوقف على وصولها إلى السقف، الذي وضعته الولايات المتحدة الأمريكية.
أعتقد أن العلاقات المغربية الإسرائيلية مؤطرة باتفاق ثلاثي. كما أن هناك جنوح بعض الأطراف داخل القضية الفلسطينية نحو إقبار لقضية الفلسطينية، بما يخدم أجندات تعاكس هذه القضية. هناك تنظيمات في فلسطين لها علاقة مع مجموعة من القوى المحدثة للفوضى، وهنا نتكلم عن دول في الشرق الأوسط. أرى أن عودة العلاقات بين المغرب وإسرائيل، حماية للقضية الفلسطينية، واستباق لتطورات خطيرة كانت ستنسف بها. قام المغرب بخطوة مهمة في الزمان والمكان المناسبين، لإعادة هذه القضية إلى مسارها، والدفع بحل يرضي الدولتين.

> هل عودة العلاقة تعني التطبيع مع إسرائيل؟
> الروداني:
المغرب لم يطبع مع إسرائيل منذ اتفاق أوسلو حتى 2000، إذ كان مساهما مهما، وعودة العلاقات بين البلدين، ستشكل حماية للقضية الفلسطينية من الموت والإقبار، والتي كانت في غرفة الإنعاش، ومن جهة أخرى، فالمغرب كانت له علاقات منذ سنوات مع إسرائيل، وكان مساهما مهما في تدبير القضية الفلسطينية. كما لا يمكن التكلم عن التطبيع، لأن المغرب لا يحتاج إلى سفير في تل أبيب، لأن هناك مليون سفير، ومغاربة في مناصب سامية يفتخرون ببلدهم الأصلي، وهو ما تفتقده الكثير من الدول العربية.
إعادة العلاقات مع إسرائيل، مسألة مهمة جدا، على مستوى تدبير موضوع السلام في الشرق الأوسط، والتي أصبحت تنحو نحو اتجاهات تهدد أمن واستقرار الحلفاء الإستراتيجيين للمملكة المغربية، سيما بالنسبة إلى دول الخليج، وأيضا لأنها مدخل أساسي لإعادة الحوار ما بين الطرفين، وهنا أتحدث عن الطرف الإسرائيلي والفلسطيني، وهو الأمر الذي كان من المستحيل تحقيقه، في ظل  الظروف الراهنة. وأعتقد أيضا أن عودة العلاقة المغربية الإسرائيلية، ستسمح لقوى كبرى على المستوى الدولي لترتيب الأمور المرتبطة بعملية السلام في الشرق الأوسط.

> هل الموقف الإسباني من الاتفاق الثلاثي، من أسباب تأجيل اجتماع كان منتظرا بين الحكومتين؟
> أتلاتي:
يلاحظ أن الاتحاد الأوربي طيلة السنوات الماضية كان ضعيفا جدا، فيكفي أن تركيا تتحرك في ملفات الاتحاد الأوربي بكل راحة، وهو ما فطنت إليه المملكة المغربية، ودعت إسبانيا إلى ترسيم حدودها. فضعف دول الاتحاد الأوربي، جعل المغرب، باعتباره قوة إقليمية، يبحث عن شركاء يبادرونه الاتفاقات الكبرى والمهمة. فالمغرب يظهر قوته في وقت الأزمات، والدليل على ذلك أن فرنسا فشلت في أزمة كوفيد 19، وعجزت عن توفير  “الكمامات”.

في سطور
– الاسم الكامل: طارق أتلاتي
– رئيس المركز المغربي للدراسات والأبحاث الإستراتيجية     
– محلل إستراتيجي وخبير في شؤون الصحراء المغربية وإفريقيا
– مدير نشر مجلة آفاق إستراتيجية الدولية
– أستاذ القانون العام بجامعة ابن طفيل
– رئيس اللجنة المغربية السنغالية لدعم الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية منذ 2010
– خريج برنامج “الزائر” المنظم من قبل الخارجية الأمريكية
– له عدة مؤلفات من أهمها كتاب (جلالة الملك محمد السادس ونحن) و(الرؤية الملكية في عقدين من حكم جلالة الملك)

في سطور
– الاسم الكامل: الشرقاوي الروداني
– حاصل على دكتوراه في جامعة بواتيي بفرنسا في 2008
– خبير معهد الدراسات الإستراتيجية لمحاربة الإرهاب
– خبير إستراتيجي في الشؤون الإفريقية
– له عدة مؤلفات في مجالات علمية متخصصة  ومقالات منشورة في مجالات بأمريكا باللغة الإنجليزية.
– يساهم في مجلات دولية متخصصة في الدراسات الجيو- إستراتيجية باللغتين الإنجليزية والفرنسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى