fbpx
افتتاحية

لقاح ضد العدمية

لم نُفاجأ بحملة التشكيك في نوايا إطلاق حملة وطنية للقاح ضد “كوفيد 19”. كما كنا نتوقع أن ترتفع معاول الهدم لتدمير المجهودات، التي تبذلها السلطات العمومية لمحاصرة الوباء، والحد من تداعياته على المجتمع والاقتصاد والمستقبل.
الأمر كان متوقعا ومعدا له نفسيا، لأنها ليست المرة الأولى التي تُقابل بها فئة واسعة من المغاربة مبادرات الحكومة بـ”سوء نية”، بل سبقتها مناسبات أخرى في لحظات تاريخية قريبة، كان فيها خطاب اللاثقة هو سيد الموقف دون منازع، حتى ولو تعلق الأمر بقرارات تصب مباشرة في صالح المواطنين.
ومع مرور الأيام، تحول خطاب التشكيك إلى أزمة بنيوية، عنوانها الأبرز العدمية المقيتة، التي تعتبر، من وجهة نظر علم الاجتماع، سلاحا فتاكا، قد يستعمله بعض المواطنين بعفوية رد فعل على قرار، أو إجراء حكومي معين، لكن يُستغل من قبل “جهات” أخرى لزرع الفتنة وتصفية حسابات سياسية مؤجلة.
إن أسوأ ما تواجهه حكومة أن ترتطم قراراتها بجدار من العناد والتحجر والعدمية، وينظر إلى مبادراتها بريبة، وهي الحالة التي نواجهها اليوم، إذ يمكن للمواطنين أن يصدقوا أي شيء يصدر عن جهة أخرى (وإن تعلق الأمر بناشطين في مواقع التواصل الاجتماعي)، ولا يصدقون ما يصدر عن مؤسساتهم العمومية.
ويمكن أن نقول، دون تردد، إن ما وصلنا إليه من عدمية وتشكيك وسيادة خطاب اللامعنى، تتحمل فيه الحكومات المتعاقبة قسطا كبيرا من المسؤولية، كما يتحمل فيه أيضا المواطنون المسؤولية بشكل من الأشكال.
فلا أحد يمكن أن يقتنع، اليوم، أن مفاصل كبيرة من المؤسسات العمومية ينخرها الفساد المالي والإداري، بشهادة تقارير صادمة، صادرة عن أجهزة دستورية للرقابة، وأيضا، عدد من القضايا والفضائح، التي وصلت إلى المحاكم وصدرت فيها أحكام بمئات السنوات على الفاعلين.
إن محاربة الفساد والمفسدين (الذين لا تخلو منهم بقعة في الأرض)، كان بالإمكان أن تتحول إلى نقطة قوة بيد الحكومة ولبنة في بناء الثقة مع المواطنين، شرط أن نواظب على إعطاء إشارات منتظمة، أن لا أحد فوق القانون، أو تحته، ولا أحد يمكن أن ينجو من العقاب مهما كان وضعه وموقعه.
فالناس لا يثقون في حكوماتهم، ليس لأنها فاسدة بالضرورة، لكن لأنها تعطي الانطباع أنها تحمي الفاسدين، وهو سبب مقنع بالنسبة إلى البعض، حتى ينظر إلى جميع قراراتها وإجراءاتها وقوانينها أنها تصب في مصلحة هؤلاء، وليس في مصلحة الشعب.
إن الأمر يتعلق بإشكالية ثقافية وبيداغوجية في المقام الأول، إذ كيف يمكن أن نقنع المواطنين، في كل المرات، أن “أبناء عبد الواحد ليسوا كلهم واحد”؟ بمعنى أدق، كيف يمكن أن يتحول بناء جسور الثقة إلى سيرورة غير منقطعة عن طريق الأفعال والأعمال، وليس فقط بالنوايا والكلام؟
في المقابل، إن استسلام بعض المغاربة إلى الأحكام المسبقة وأحكام القيمة الجاهزة، دون بحث، أو اجتهاد وتمحيص، لن يساهم إلا في الحفاظ على الوضع نفسه، الذي لن يخدم في الأخير سوى أجندات نائمة تقتات من العدمية، وتريد شرا بالوطن والمواطنين على حد سواء.
العدمية سيف ذو حدين.
قد يفتك بالآخر، لكن قد يرتد عليك في أي لحظة.
فحذار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى