fbpx
خاص

المسيرة الخضراء … رحلة في عقل الحسن الثاني

كيف اهتدى الملك الراحل إلى الفكرة ونفذها

خصص الملك الراحل الحسن الثاني ضمن كتابه الشهير “ذاكرة ملك” فصلا خاصا كشف فيه عن كواليس ميلاد فكرة “المسيرة الخضراء” لاسترجاع الأقاليم الصحراوية منذ أن أعلنت محكمة “لاهاي” عن رأيها وقدمت الأمم المتحدة تقريرها في موضوع الصحراء سنة 1975 ، أن الأرض ستعود لمن يحوزها بمجرد أن يغادرها الجنود الإسبان.

وجوابا على سؤال الصحافي الفرنسي إيريك لوران “ماذا كنتم ستفعلون لو خفق رهانكم على المسيرة؟” قال الحسن الثاني “عندما عدت إلى الرباط قادما من أكادير صعدت إلى شرفة القصر لأتأمل اخضرار ملعب الغولف، ونظرت إلى البحر نظرة مغايرة وأنا أخاطب نفسي “لقد كان من الممكن أن لا أعود إلى الرباط إلا للمّ حقائبي استعدادا للمنفى”. فلو فشلت المسيرة لكنت استقلت”.
ويضيف الملك الراحل “إنه قرار أمعنت التفكير فيه طويلا بحيث كان يستحيل علي أن أترك على الساحة ضحايا لم يكن لهم من سلاح سوى كتاب الله في يد والراية المغربية في اليد الأخرى. إن العالم كان سيصف عملي بالمغامرة، وكما نقول عندنا في اللهجة المغربية “ما كان بقي لي وجه أقابل به الناس”.

وهنا أردف الصحافي الفرنسي سؤالا آخر هو “كيف كنتم ستتصرفون دستوريا وسياسيا” ليكون جواب الملك “كنت سأشكل مجلسا للوصاية في انتظار أن يبلغ نجلي سن الرشد، وكنت سأذهب للعيش في فرنسا أو في الولايات المتحدة الأمريكية…”.

ويحكي الملك الراحل “أنه بمناسبة 20 غشت كان علي أن ألقي خطابا بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب، وعشية ذلك اليوم كنت أتساءل معي نفسي “ترى ماذا عساي أن أقول في هذا الخطاب”؟ وفي المساء وبعد أن أديت صلاة العشاء أخلدت إلى النوم، فاستيقظت فجأة في منتصف الليل تراودني فكرة نفذت نفوذ السهم إلى ذهني وهي “لقد رأيت آلاف الأشخاص يتظاهرون في جميع المدن الكبرى مطالبين باستعادة الصحراء، فلماذا إذن لا ننظم تجمهرا ضخما يأخذ شكل مسيرة؟” وهنا أحسست أني تحررت من عبء ثقيل».

ويتابع الحسن الثاني” اكتفيت في خطابي لليوم الموالي بالتطرق لبعض القضايا العامة، إثر ذلك استدعيت وزير التجارة ووزير المالية وقلت لهما “إن شهر رمضان قد يكون قاسيا. إذ المحاصيل الزراعية كانت متوسطة، فهل يمكنكما من باب الاحتياط تخزين كمية من المواد الغذائية؟ حتى إذا وجدنا أنفسنا في حاجة إلى عرضها في السوق أمكننا المحافظة على سعر ثابت لها” فأجابا “بكل تأكيد، وما هي الكمية التي يتعين تخزينها؟” فقلت لهما “تموين يكفي لشهر أو شهرين”. ولم يفطنا لشيء. وهذا ما كنت أرغب فيه».

واستدعى الحسن الثاني الجنرال أشهبار الكاتب العام لإدارة الدفاع، والجنرال بناني من المكتب الثالث والكولونيل ماجور الزياتي من المكتب الرابع. وشرعوا في العمل دون كاتبات أو أجهزة حاسوب وكانوا يحررون كل شيء بأيديهم، حيث كان يتعين إحصاء كمية الخبز اللازم لإطعام ثلاثمائة وخمسين ألف شخص، وعدد الشموع الضرورية لإنارة الخيام. وهكذا عمل الأربعة في سرية تامة حتى مطلع أكتوبر.

وبحلول 16 أكتوبر 1975 أصدرت محكمة العدل الدولية بلاهاي، رأيها الاستشاري واعترفت فيه أن روابط البيعة كانت قائمة على مر العصور بين المغرب والصحراء. فوجه الحسن الثاني خطابا إلى المغاربة أعلن فيه عن تنظيم المسيرة الخضراء، وقبل أن يتم خطابه، بدأت أصداء الصيحات المتعالية من الأحياء المجاورة للقصر بمراكش تصل إلى مسامع الملك، ففي كل مدن وقرى المملكة خرج الناس يهتفون ويصيحون “نحن متطوعون”.

عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى