fbpx
افتتاحية

حاكموا هؤلاء

قليلٌ من انتبه، في زحمة الأخبار والكوارث والإحباطات والإصابات، للدعوى القضائية، الجارية هذه الأيام، بالمحكمة الإدارية بالبيضاء، التي تطالب فيها شركة للنقل الحضري، الدولة بأداء تعويض بحوالي أربعة ملايير و340 مليون درهم.
أجل، 434 مليار سنتيم، بالتمام والكمال، الذي يمكن في أي لحظة أن يتحول من خزينة الجماعة الحضرية بالبيضاء إلى صندوق هذه الشركة الخاصة، إذا ثبت فعلا، بالحجج والوثائق والمستندات، أنها تستحقها وتتوفر على ما يثبت ذلك.
434 مليار سنتيم «لا يمكن أن يجمعها إلا الفم»، وهو مبلغ يوازي ميزانية البيضاء في عز نشاط التحصيل الجبائي، قبل أن تتراجع المداخيل، وتستقر الميزانية في 350 مليار سنتيم فقط.
هذا المبلغ الضخم، هو أيضا، ضعف القرض المالي، الذي التزمت به المدينة (بضمانات من الدولة) أمام البنك الدولي، إذ بلغت قيمة القرض 200 مليار سنتيم، بينما قد يحكم القاضي غدا ضد الجماعة بأداء 434 مليار سنتيم لشركة النقل الحضري.
إنها السريالية في أبهى صورها، حين تقف الدولة في قفص الاتهام أمام «شركة»، تطالبها بأداء قيمة ميزانية أكبر مدينة بالمغرب، وتذكرها بالأخطاء الجسيمة التي ارتكبها موظفوها وخبراؤها ومستشاروها القانونيون منذ 2004 وإلى 2018، وهي المدة الزمنية التي لم تف جماعة البيضاء من خلالها بالتزاماتها، ما كبدها خسائر قدرتها بهذا المبلغ الضخم، حسب قول الشركة.
فإذا ثبت فعلا أن الشركة على حق بما تطالب به من تعويض (وهذا متروك لهيأة المحكمة للتقرير فيه)، فإن ذلك يعتبر جريمة كاملة الأركان من جرائم أموال المال، تتطلب تحركا فوريا للنيابة العامة المختصة لفتح مسطرة تحقيق مع المشتبه فيهم في ارتكاب اختلالات قانونية، أدت إلى هذه الفضيحة المالية.
فما معنى أن يتعامل مسؤولون في الداخلية والجماعة مع ملف من هذا الحجم بكل هذا الاستهتار، ويتركوا الحبل على الغارب كل هذه السنوات، حتى تأتي شركة وترفع دعوى تعويض بهذا المبلغ الخيالي؟
ولماذا تهاونت هيآت التفتيش المركزية والمجلس الأعلى للحسابات في كشف الاختلالات، ودق ناقوس الخطر في وقت مبكر، حتى لا يتحول التعويض البسيط، إلى ملايين الدراهم ستُدفع من خزينة جماعة تشكو العجز البنيوي المزمن؟ عفوا من جيوب دافعي الضرائب.
من سمح، أصلا، بوقوع هذه الاختلالات التي تدعي الشركة أنها ارتكبت في حقها، وتجند محاميها لهذه المهمة، وتصر على تغريم الدولة هذا المبلغ الضخم؟
ومن تواطأ مع من؟ ومن باع ومن اشترى واغتنى، ومن استفاد، ومن «شبع» ريعا من ملف النقل العمومي عبر الحافلات بالبيضاء، الذي لم يستقم حاله بعد، ومازال، في نظر البعض، الدجاجة التي تبيض ذهبا، مقابل خدمات مُهينة وحاطة بكرامة البيضاويين؟
إنها بعض الأسئلة، التي ينبغي أن تُطرح وتشارك فيها جمعيات لحماية المال العام، وتصبح قضية رأي عام وطني.
إن أي تهاون في هذا الملف، سيضع الجميع موضع شبهة، ويجعل من مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة مجرد شعار كاذب، ويقنع المواطنين، للمرة الألف، أن القوانين وُضعت كي تنتهك، في دولة تشكو مرض الرخاوة المزمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى