fbpx
حوار

اليوسفي: التعليم عن بعد أبغض الحلال

الخبير في قضايا التعليم قال لـ «الصباح» إن الوزارة ضحت بالتدريس الحضوري بحثا عن سلامة صحية غير مضمونة

أكد عبد اللطيف اليوسفي، الخبير في قضايا التربية والتعليم، أن خيار التعليم عن بعد ليس سوى ترقيع ومهرب من الجمود والموت، وصيغة اضطرارية لتخفيف الأضرار التربوية والتعليمية.
وأوضح مدير أكاديمية التربية والتكوين سابقا، والباحث في قضايا التعليم أن وصفة التعليم عن بعد تمثل أبغض الحلال، ومخرجا استثنائيا لوضع استثنائي. في ما يلي نص الحوار:
أجرى الحوار: برحو بوزياني/ تصوير: (عبد اللطيف مفيق)

> بداية ما هو تقديرك لحجم التداعيات السلبية لجائحة كورونا على قطاع التعليم؟
> بداية أشكر “الصباح” على هذه الفرصة للتداول في مسألة التعليم التي ما فتئت تشغل بال كافة شرائح المجتمع، وهو ما يعني المكانة المركزية لهذه المسألة واعتبارها في صدر الأولويات.
ففي ظل الأوضاع المؤسفة التي أثارتها جائحة كورونا، لاحظ الجميع أن قطاع التعليم كان أول القطاعات التي شملتها الإجراءات الاستباقية ليس في المغرب فحسب، بل في كل بلدان العالم. إن المدرسة هي المؤسسة الاجتماعية الأكثر تسربا إلى حياة المواطنين والمجتمع، وقد انشغل الناس في مختلف الدول بالبدائل البيداغوجية. وبما أن “كوفيد 19” مس أولا ولاية يوهان بالصين الشعبية، فقد لجأ الصينيون إلى “التعليم عن بعد”، بتوظيف ما يتيحه التعليم الرقمي من إمكانيات هائلة في هذا المجال، واهتدوا إلى صيغ بيداغوجية مبتكرة، فكانت أول مبادرة أطلقت عليها وزارة التعليم الصينية عنوان “فصول معطلة، تعليم غير منقطع” لإيصال التعليم لملايين التلاميذ في منازلهم.
ومع تفشي الجائحة عبر القارات والبلدان، بدأت التجربة تتوسع وتنطبع بطابع المحيط الذي تزرع فيه ، حسب التطور التكنولوجي لكل بلد أو منطقة ومدى استيعاب الأطر التعليمية لآليات توظيفها.
ولاحظت جل المؤسسات التربوية العالمية، ومنها اليونسكو أن “التعليم عن بعد” ضعيف المردودية، ويزيد من تعميق الفوارق المعرفية والتأطيرية، وأن النتائج ليست في المستوى المنتظر، حتى في الدول الأكثر تقدما. لهذا، فالتعليم عن بعد، ليس سوى ترقيع ومهرب من الجمود والموت، وصيغة اضطرارية لتخفيف الأضرار التربوية والتعليمية. إنه أبغض الحلال أو لنقل إنه مخرج استثنائي لوضع استثنائي.

> إذا كان الموسم الجديد يتسم بالاستثناء في كل شيء، فكيف تعاملت معه الوزارة ؟ وكيف جاءت مخططاتها لتأمين الدخول المدرسي ؟
> رغم التقدير الذي يمكن أن نسجله لاجتهادات أطر وزارة التربية في كل المستويات، ورغم تفهم الأوضاع الصعبة التي وضعتها فيها هذه الجائحة المستجدة بالشكل المفاجئ، الذي فرضت نفسها به والأسئلة الجديدة التي طرحتها على المدبرين للشأن التربوي، فإن الاختلاف يظل قائما مع إجراءات الوزارة، كجزء من التدابير الحكومية التي طبعها الارتجال والارتباك والتذبذب في الكثير من الأحيان، وانطبعت بها بعض الإجراءات منذ 16 مارس الماضي، إلى اليوم.
ويكفي التذكير هنا بإجراءات الدخول المدرسي، سواء في مقرر 5 غشت الخاص بتنظيم السنة الدراسية، أو البلاغ الموالي الذي أثار ضجة وارتباكا كبيرا في المجتمع ككل، وفي الأسر على وجه التخصيص والوثائق والبروتوكولات والمذكرات التي أسهبت أكثر من اللازم في التفاصيل الجزئية، وكأن المركز يخاف إبداع الجهات والمديريات والمؤسسات أو لا يثق في قدرات أطرها.
إن الارتباك الكبير الذي سجله الرأي العام داخل المنظومة التربوية كان بالإمكان تحجيمه وتقليصه بالمقاربة التشاركية، والانفتاح على الشركاء، وبمزيد من إعطاء الصلاحيات للجهات والمديريات والمؤسسات التعليمية.

> كيف تنظر إلى الجدل الذي فجره مخطط الوزارة بشأن الاختيار بين نمطي التدريس عن بعد والحضوري في الوقت ذاته؟
> ينبغي أن نؤكد أن استشارة شركاء المنظومة التربوية والانفتاح على آرائهم أمر مطلوب دوما. وقد دلت التجربة العينية أن المسؤول كلما كان مقتنعا بالتدبير التشاركي الفعلي، ومؤمنا بفضيلة الإنصات والانفتاح على محيطه، ومستعدا باستمرار للاستفادة من نبض المجتمع من حوله، كان ناجحا وموفقا في تدبير كل المحطات، بما فيها الأزمات، وهو أمر لا يعني إطلاقا الهروب من المسؤولية، ورميها إلى الآخرين.
وبتقدير الكثيرين، فإن سلوك الوزارة في هذه النازلة، ورمي الكرة في ملعب الأسر، يعتبر هروبا واضحا من المسؤولية، وهو هروب تتحمله الحكومة ككل، التي تقع على عاتقها مسؤولية تدبير الأزمة، والتي بدأت تبرر تنصلها من المسؤولية في تفاقم الوضعية الوبائية، بجلد المواطنات والمواطنين، وإلقاء اللائمة عليهم، وعلى تدني وعيهم.
إن هؤلاء المواطنين الذين يشكو الخطاب الرسمي عدم وعيهم وانحطاطهم، هم أنفسهم الذين تحملهم الوزارة مسؤولية اختيار صيغة تمدرس أبنائهم.
وعوض أن تحسم الحكومة أمرها، لأنها أكثر امتلاكا للصورة التي عليها الوباء وأكثر تقديرا لعوامل انتشارها، ومواقعها الجغرافية، اختارت رمي الكرة إلى الآباء، والحال أنها ومعها وزارة التربية، تتحكمان في لوحة القيادة، وبالتالي، فإن توريط الآباء في الاختيار، لم يكن مبررا وليس مقبولا، علما أن المدة التي خصصت لهذه العملية وجيزة جدا، والنتائج التي توصلت بها المؤسسات إلى حد اللحظة، مخالفة للمتوقع.
> كيف تفرأ اختيار التعليم الحضوري من قبل أغلبية الأسر؟
> إن أكثر من 80% من الأسر اختارت التعليم الحضوري، بخلاف ما صرحت به وثائق الوزارة، بأن الأصل والخيار الأكثر ملاءمة هو التعليم عن بعد.
وأعتقد أن نسبة 80 % جاءت نتيجة لعوامل أقلها اثنان: انعدام الثقة في نتائج التعليم عن بعد، والذي كرسه خطاب وسلوك الوزارة نفسها، وكذا الأوضاع الاجتماعية والنفسية للأسر والتلاميذ. وأنا متأكد بأن هذه النسبة الكبيرة سيرغمها الواقع الفعلي لانتشار الوباء أو تقلصه على التغيير والتكيف، ولن يكون لها أي معنى مع تحرك الوباء الذي سيتحكم وحده في الاختيار. إن انتشار الوباء أو تقلصه، هو ما سيرجع له الحسم، وليس خيار الأسر، وتدخلات العمالات لتأجيل الدخول المدرسي في بعض المناطق دليل على ذلك. وهنا لابد من التأكيد على أمرين بديهيين، وهما أن حالة الاستثناء تتطلب الاستعداد الكامل والدائم للتكيف، وأن صحة التلاميذ والأطر التعليمية تقع في صلب الموضوع، وهي الهدف الأسمى اليوم .

هــزالــة المــردوديـــة
> أثر الحجر الصحي الشامل على الدراسة. ألا ترون أن عدم تقييم التجربة هو الذي تحكم في طرح خيار التعليم عن بعد من قبل الوزارة؟
> أكيد أن أثر الحجر الصحي بسبب جائحة “كوفيد 19” واضح على العديد من المجالات والخدمات الاجتماعية، ومنها التعليم. وقد كان وما يزال وسيبقى هذا الأثر سلبيا.
وحسب خايمي سافيدرا، المدير العام لقطاع الممارسات العالمية للتعليم بمجموعة البنك الدولي، “فإن جائحة فيروس كورونا تسببت حتى 28 مارس الماضي، في انقطاع أكثر من 1.6 مليار طفل وشاب عن التعليم في 161 بلدا، أي ما يقرب من 80% من الطلاب الملتحقين بالمدارس.
وإذا لم نبادر إلى التصرف، فقد تفضي هذه الجائحة إلى ازدياد الأضرار في خسائر التعلم وزيادة معدلات التسرب من الدراسة، وعدم حصول الأطفال على أهم وجبة غذائية في اليوم. والأكثر من ذلك، انعدام المساواة في النظم التعليمية، الذي تعانيه معظم البلدان.ولا شك أن تلك الآثار السلبية ستصيب الأطفال الفقراء، أكثر من غيرهم، وكأن المصائب لا تأتيهم فرادى. ولا يخرج الوضع عندنا عن هذه الصورة، فقد أكد وزير التربية نفسه النسبة المتواضعة للاستفادة من التعليم عن بعد عندنا، ولم تعتمد الوزارة أي اختبار في التعليم المدرسي لهذا النوع من التعليم في نقط الانتقال من قسم إلى آخر أو في امتحان الباكلوريا، مما يدل على هزالة المردودية التربوية.
إن الوزارة وإلى اليوم، لم تقم بأي تقييم لمردودية هذا التعليم. وأنا متفق مع القول إن اختيار الوزارة التضحية بالتعليم الحضوري يعكس بحثا عن سلامة صحية غير مضمونة. …

نواقص التعليم عن بعد
أكد عبد اللطيف اليوسفي أن نجاح التعليم عن بعد، وتأهيله للقيام بالوظائف المرجوة، يستلزمان عدة شروط، أولها أن تتحمل الوزارة مسؤوليتها كاملة في توفير التكوين المستمر والمكثف والمواكب للأساتذة، منذ بداية الدخول المدرسي، وبالأسلوب الملائم والحازم الذي يضمن تربية مضمونة، وآثارا فعلية على العمل بهذا الأسلوب، خاصة أن الأمر لا يحتمل الاستمرار في الارتجال أو التعويل على التكوين الذاتي.
وأوضح اليوسفي أن عدم قيام الوزارة بتنظيم تكوين مستمر حقيقي وفعال للأساتذة، سيجعلهم كالداخل إلى حرب طويلة بدون سلاح، مضيفا أن مسألة الحوامل البيداغوجية والمضامين المرقمنة تطرح في ما بعد. وأكد اليوسفي أهمية القرار الذي اتخذته الوزارة بتكليف الأكاديميات بتحضير كافة الدروس المقررة، انطلاقا من تقسيم المقررات وتوزيعها لتكامل المجهودات، وهي عملية ممتازة وتدبير محمود، إذا تم بالأسلوب الجيد، وبالأدوات الجيدة، وبالتتبع اليقظ من قبل المفتشين لتصحيح الأخطاء الكثيرة التي سجلت في المرحلة السابقة.
وطالب اليوسفي الوزارة بدفع مجموعة الناشرين إلى توفير مواد الكتب المدرسية المقررة في أقراص مدمجة، ووضع الحوامل وتفاصيلها على منصات وقنوات سهلة الولوج للتلاميذ والمدرسين والمهتمين.
وبموازاة مع هذه الأعمال الضرورية، يلزم أن يتحمل المتدخلون الثلاثة في مجال الاتصالات وشبكات الأنترنيت مسؤولياتهم كاملة في توفير الشروط التقنية لنجاح التواصل، لأن التربية أولوية وطنية وشأن عمومي، ولا ينبغي أن يسمح المجتمع لهؤلاء بالاستمرار في الوضع السابق والحالي، بل على الدولة أن تحملهم مسؤولياتهم في توفير التغطية بالأنترنيت مجانا في الوسط القروي ومناطق الهشاشة على الأقل، وتخفيض الرسوم الحالية لتصبح هذه المقاولات مواطنة فعلا.
وسجل اليوسفي أن الصيغة التي ستعتمد في حالة التعليم الحضوري هي العمل به نصف حصة، وسيكون التناوب بين المجموعات على التعليم عن بعد والحضوري. وهنا تطرح معضلات الأغلفة الزمنية واستعمالات الزمن.

هشاشة منظومة التعليم والصحة
قال اليوسفي إنه مع الرأي الذي يقول إن جائحة كورونا لم تزد عن أنها عرت واقعنا المؤسف وهشاشته من الاقتصاد إلى التعليم والصحة، وباقي الخدمات الاجتماعية. وأوضح الخبير في شؤون التربية، جوابا عن سؤال حول طريقة كسب رهان الصحة والتعلم، في وقت يتسم بارتفاع متزايد في الإصابات بالفيروس، أن من الواضح أن ما نعيشه اليوم ليس سوى نتيجة حتمية للسياسات اللاشعبية واللاديمقراطية التي انتهجت منذ الاستقلال إلى اليوم.
وقال إن المخارج في رأيه، مرتبطة بتوفير الإرادة السياسية القوية للقطع مع الاختيارات السابقة، وإقرار إصلاحات سياسية ودستورية عميقة تفتح أفقا بديلا للوطن، وفي سياقها ستستعيد الدولة الاجتماعية موقعها، وسيتم التخطيط العلمي والذكي والمبدع لسياسة تتمحور حول التقائية القطاعات وتكاملها.
إن الفرصة الذهبية التي تتيحها جائحة كورونا اليوم لمصلحة المدرسة العمومية المغربية، يقول اليوسفي، تستلزم من كافة الأطراف تحمل المسؤولية التاريخية لمساعدة هذه المدرسة على استرداد مكانتها وموقعها وإشعاعها. ولا شك أن الطاقات الهائلة التي تختزنها المدرسة والجامعة العموميتان المغربيتان، سواء طاقات التلاميذ والطلبة أو طاقات المدرسين والإداريين قادرة على أن ترفع مؤسستنا إلى موقع المؤسسة المنافسة والجذابة والمتعددة الأساليب المرجوة.

القطاع الخاص أمام الامتحان
أبرز اليوسفي جوابا على سؤال الجدل حول المدرسة العمومية وموقع التعليم الخاص في منظومة التربية، في ظل الرهان على تخفيض الإنفاق العمومي على التعليم، أن موقع المدرسة العمومية كبير، رغم كل محاولات الإجهاز عليه وتحجيمه.
وأوضح أن الأرقام الرسمية تفيد بأن التعليم الخصوصي، رغم تشجيعه وحقنه بالمحفزات “الضوباج” لا يستقطب سوى 14% من المتمدرسين، ليبقى التعليم العمومي مغطيا لنسبة 68% من الخريطة الوطنية (التي لا تحصي للأسف تلاميذ البعثات الأجنبية وتلك معضلة أخرى).
وقال إن الرهانات الكبرى على المدرسة والجامعة العموميتين تفرض إصلاحات عميقة وقوية مدعومة بالإرادة السياسية، وقد أظهرت الجائحة أن الهم الأول لأغلبية المدارس الخصوصية، هو الربح والجشع المالي، ما أفرز صراعا مع الآباء، وكشف هشاشة التعاقد بين الطرفين، وفتح أفق الهجرة المضادة المنتظرة نحو المدرسة الأم، أي المدرسة العمومية، علما أن التعليم الخصوصي في كل المستويات، مطالب بأن يستثمر جيدا في آليات وأدوات التواصل عن بعد، وأن يقدم المثال.
وقال اليوسفي إن هذه الجائحة وضعت التعليم الخصوصي على المحك، وجعلته أمام امتحان حقيقي. أما المدرسة العمومية، فهي ملاذ الشعب وموقعها قوي ومتجذر، وتحتاج إلى إرادة قوية للإصلاح العميق المؤسس على حوار وطني واسع وآليات تتبع قوية وفعالة.

في سطور:
– من مواليد مراكش 8 نونبر1952
– متزوج وأب لابنتين
– عضو بمركز محمد بنسعيد للدراسات والأبحاث
– رئيس هيأة تحرير مجلة «الربيع» التي يصدرها المركز
– مفتش ممتاز للتعليم الثانوي متقاعد
– نائب سابق بوزارة التربية الوطنية بالجديدة وعين السبع الحي المحمدي
– مدير سابق لأكاديمية الغرب القنيطرة لوزارة التربية
– عضو سابق بالمجلس الأعلى للتعليم ورئيس لجنة المناهج والوسائط به.
– خبير مستشار في قضايا التعليم والتربية على حقوق الإنسان
– عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي الموحد
– عضو مؤسس للعديد من الجمعيات التربوية والمهنية والحقوقية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى