fbpx
بانوراما

عائد من جحيم صدام 8 … في صراع غابة صدام

بدأت الحكاية في اليوم الأول من مارس 1991، كان الأفق معتكرا بلون الغروب، ودخان حرائق آبار النفط العراقية، ما أضاف كآبة إلى كآبة الشارع البصري، الذي كان متوترا وينذر بعاصفة قوية، زادته حالة الجنود المأساوية، عنفا ولهيبا وحماسا. هكذا وجد نفسه قاسم البريسم، الدكتور والأستاذ الجامعي، الذي ترك خلفه مسارا أكاديميا مميزا بجامعة “إكستر” البريطانية، ليقرر في لحظة ضعف عاطفية العودة إلى بلده العراق، منتصف الثمانينات، ويعايش فظاعات ما تبقى من سنوات الحرب مع إيران، قبل أن يقرر صدام حسين الزج بالشعب العراقي في مواجهة أخرى بعد غزوه الكويت مطلع التسعينات. عبر هذه الحلقات نسافر بكم عبر تجربة من داخل سجون الرضوانية، حيث كان محكوما عليه بالإعدام، قبل أن ينجو من الموت بأعجوبة، وتكتب له حياة جديدة استجمع فيها تفاصيل ما جرى، لنستعيدها معكم على لسانه.

إعداد: عزيز المجدوب

كان علاوي يتباهى بوحشيته حتى يسمع الرئيس صوته ويمنحه وساما مؤقتا عليها

نودي على أول اسم في مجموعتنا. نهض أحدنا، قاده الحرس الى غرفة، ونودي على الثاني، وبدأت رحلة التحقيق معنا، منا من يذهب الى الغرف، ومنا من يذهب الى المحققين المنتشرين في الساحة الكبيرة القريبة من الغرف. نودي على صديق جمعتني معه كلمة القاعة، وحديث المواساة الذاتية بيننا. كان محققه خارج الغرف، كنا نراقبه، ونسمع حتى الأسئلة التي توجه له، كان متهماً بمهاجمة دائرة المخابرات في البصرة، وقد سبقته الى ملفه اعترافات خطيرة من شخصيات أعدم البعض منها، كما روى لي.
بدأ الجلادون يلهبون جسده، مع أسئلة المحقق، وهو يصرخ ويستغيث، حتى تمزق قميصه، وبدأنا نرى جروحه وهي تنزف، كانت عيناي لا تغيب عنه. كنت أشد على صموده بنظراتي التي لا تغيب، ليس عندي سوى نظرات التعاطف التي قد لا يراها، فقد أوصيته أن لا يعترف، لأن الاعتراف يعني الموت المؤكد. كانت أعين مجموعتنا التي تنتظر تعذيب الموت، تتشتت على عشرات المشاهد، إلا أني كنت أراقب مشهد تعذيب صاحب القاعة لحظة بلحظة.
أجلسه الحرس، بعد أن تمدد على الأرض من شدة تعاون الجلادين عليه، وبدأت رحلته مع الكهرباء ( شدوه من أذنيه)، رفرف مثل طائر ذبيح، واستمر المحقق معه لعدة دقائق، كانت كافية أن تقضي عليه، قبل أن يأتي إبراهيم علاوي على حياته بعصاه القاتلة.
قال المحقق لأحد الجلادين، بصوت غاضب “إنطي ماي” جاؤوا بالماء، شرب من شدة التعب، بالرغم من تحذير القاعة من عدم شرب الماء مع الكهرباء. صرخ المحقق، سأله عن أسماء لم أعرفها، فهو من منطقة “التميمية بالبصرة” وأنا من منطقة أخرى. قال له: اعترف، رد بصوت ضعيف، سيدي أنا بريء.. شغلني هذا المشهد الدامي. لم نتحسس وقوف سيارة ابراهيم علاوي، إلا عندما مر علينا، واقشعرت أجسادنا، بدأ يتجول بين المحققين، يتبعه حراسه، كان أحدهم يحمل له عصاه (طولها ما يقارب سبعين سنتمتر، من خشب الصاج القوي) كان إبراهيم علاوي من عادته، أن يسأل المحققين، ” هل اعترف” فاذا لم يعترف الواحد منا، تأتي العصا، كي تسجله في قائمة الموتى.
وقف المجرم إبراهيم علاوي عند صاحبنا المسكين، كانت كل العيون قد تسمرت عنده، وتناست كل المشاهد الأخرى .قال: بصوت نسمعه، هل اعترف؟ وقبل أن ينتهي المحقق من إجابة سؤاله، كانت العصا قد وصلت الى يده، وكأنما كان يريد أن يزرع الفزع في نفوس الجميع، ويتباهى بوحشيته، حتى يسمع صدام صوتها، ويمنحه وساما مؤقتا عليها، في انتظار العار المخزي الأبدي (الموت) الذي منحه له صدام في ما بعد.
ارتفعت العصا الى السماء، صعدت معها القلوب تشكو الضمير الإنساني. عادت بقوة على رأسه، ومعها صوت رقم ١ كانت هذه الضربة كفيلة أن تسكت أنفاس صاحبنا عن الكلام، انفجر الدم، اقشعر حتى المجرم المحقق، رفع العصا مرة ثانية وجاء رقم 2، ثم رقم 3، مات. قالها إبراهيم علاوي ورددها الحرس بعده. لم يتحرك صاحبنا أبدا، سحلوه أمام أعيننا، بينما كان إبراهيم علاوي يتجول مزهوا بالذي حققه، وأشبع به غريزته الحيوانية البشعة، التي ابتلعتها غريزة حيوانية بشعة أخرى بعد سنين، في صراع غابة صدام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق