خاص

200 قتيل ضحايا انهيار البنايات بفاس خلال ربع قرن

أحياء عشوائية تناسلت في هامش المدينة وجهود محاربة الظاهرة والبنايات المهددة لم تؤت أكلها في ظل غضب سكاني

عند كل انهيار يزعزع كيان بنايات مستعدة للتضحية بأرواح قاطنيها، يتناسل الحديث عن الإنقاذ والبرامج، التي سرعان ما تضحي «زوبعة في فنجان» أو «كلام ليل يمحوه النهار»، للحد الذي أفقد أولئك المرهونة حياتهم في «قبور الدنيا» بمواقع مختلفة، الثقة في كل شيء بما في ذلك التطمينات الرسمية بقرب القضاء على ظاهرة ما فتئت تتأصل وتستأصل أرواح المعدمين.

الأسطوانة ذاتها والسمفونية نفسها عزفت صباح أول أمس (الثلاثاء) في كاريان الحجوي، وهو يحصي ضحايا عشوائيته اللامتناهية، على إيقاع طبول الحسرة ونغمات الفؤوس والمعاول وجرافة محت بقايا آمال أسر استفاقت على الفاجعة في ذاك الصباح الحزين، إذ كان النحيب سلاح من لا حيلة له على تعويض تلك «القبور» الغارقة في عبثيتها، بسكن يضمن العيش «الكريم».

الانهيارات غالبا ما ترافقها احتجاجات
“ما كاين والو”

«ما كاين لا دولة ولا صحافة ولا والو»، «فين كنتو هادي سبع شهور؟.. حتى طاحت دار جديدة، عاد كتسولو».. بهذه العبارات الصادمة وبنبرات صوتية حادة، أجاب واحد من الذين رزئوا في أقاربهم، في انهيار سابق لمنزل بقلب فاس العتيقة، ردا على سؤال صحافي هاتفه لمعرفة ما إذا كان محط التفاتة رسمية مفعلة واقعا، بعدما تلاقحت الوعود، لحظة ذاك الانهيار.
قد يجد هذا الشاب المفجوع في وفاة زوجته وأبنائه الثلاثة، مبررا لردة فعله، بالحديث عن عدم استفادته من الدعم اللازم الذي يعوضه عن كل ما ضاع منه، لكن «لا حق يمكن أن ينتزع في غياب طالبه»، وما للإعلام من وظيفة غير التعريف بقضيته وإسماع صوته، أما التعويض والمنح والامتياز وما جاورهم، فهو الأعرف بالجهة المسؤولة عنها، ولا ندري إن كان طرق بابها.
ربما أراد هذا «الضحية» بردة فعله تلك، أن يرسل رسالة مشفرة توحي بإهمال قضيته من قبل المسؤولين، لكن معلومات غير مؤكدة تفيد استفادته من دعم مالي بعيد انهيار منزله الذي تؤكد المصادر الرسمية، إنه «كان في حالة متدهورة جدا، وشرع في ترميمه بدعم من المقاطعة وبترخيص منح بعد معاينة الخطورة القائمة وهشاشة جدرانه المحتاجة للتدعيم، قبل أيام من انهياره».
هذا «الفيد باك» ضروري على الأقل لكشف حقيقة وجود «عدم ارتياح» سكاني، من الاهتمام الرسمي بضحايا الانهيارات المتواصلة لمنازل فاس، العتيقة منها والحديثة في حزام الفقر والتهميش في هامش المدينة المهمش، الذي تناسل البناء العشوائي فيه، منذ الثمانينات وبكيفية أكيد أن فيها تواطؤا لجهات اغتنت من تفريخ منازل دون مواصفات، تحوي نعش وقبر كل من يقطنها.

المتطوعون يساعدون في عمليات الإنقاذ
مصير مجهول

«دابا خصهم يدقوا الخيام، فين ينعسوا».. هكذا علق شاب على ما ينتظر أفراد تلك الأسر القاطنة للمنزلين المنهارين صباح الثلاثاء بكاريان الحجوي بن دباب، الذين كتبت لهم الحياة بعد تلك الفاجعة التي حركت دموع كل الحاضرين بمن فيهم بعض عناصر الوقاية المدنية والشباب المجندين تطوعا طيلة 12 ساعة بالكمال والتمام، لانتشال الجثث والمصابين وبقايا آثار الحياة، بين الأنقاض.
جو تضامني منقطع النظير، ساد الزنقة زوالا على إيقاع الزخات المطرية التي لم تفرمل عملية الإنقاذ.. الجميع منكب على إزاحة الأتربة، حتى أفراد القوات المساعدة والأمن، وبعض الشباب المرسومة على وجوههم، علامات «نايك»، فيما احتضنت زاوية أخرى، «ندوة» عفوية، حول مصير الضحايا ومسؤولية المسؤولين، في الوفاء بـ «العهد»، والالتفاتة إليهم بـ «عين الرحمة».
لم يكن النقاش يخضع لترتيب مداخلات أو استئذان من المتدخلين. كل واحد كان يدلي بدلوه قبالة زنقة خصصت ل»تخزين» بقايا الأثاث والملابس والتجهيزات المعثور عليها بين الأنقاض. لكن السائد والمتفق عليه، أن «التشرد» سيكون مصير المتبقين من أفراد أربع أسر فقدت مأواها وأمانها وطمأنينتها بعد انهيار المنزلين المتلاصقين، عن سابق إنذار لم يؤخذ بعين الاعتبار.
أجواء الحسرة على الحاضر والمستقبل، كانت سمة مرسومة على كل الوجوه الشاحبة. الأعين ترصدت ما ينقل إلى الزنقة، من بقايا «عفش» الأسر المنكوبة. أسرة وبقايا نوافذ ودفاتر وكيس مملوء بنحو كيلوغرامين من التين، و.. عتاد أكيد لن يعتد به لتأمين عيش مستقبل عدة أفراد خرجوا لتوهم من غفوة الموت، في انتظار التفاتة حقيقية تنجيهم مزيد المعاناة والآلام و»الحكرة».

شعارات ووعود

البنية الهشة للمساكن تضاعف خطر الانهيار
حينها كانت عقارب الساعة تجاوزت الثانية بدقائق.. كان الوفد الرسمي، غادر الموقع بعد انتشال خامس جثة، ونقل المصابين الستة للمستشفى، بعدما عاين جزءا مهما من عملية الإنقاذ التي انطلقت بعد وقت وجيز من حدوث الانهيار حوالي الساعة الثامنة صباحا، بمشاركة متطوعي القرب المكونين من قبل اتحاد جمعيات ووداديات المدينة العتيقة، بتنسيق مع مصالح سويسرية.
شاب يسأل زميلا له، عن مكان مسؤول المقاطعة. وهدفه فقط تذكيره بالشعارات والوعود التي قدمها إبان الحملة الانتخابية، بقرب إيجاد حل نهائي للبنايات المهددة بالانهيار في ذاك الحي الذي يعتبر من أكثر الأحياء الهامشية احتضانا لها. للأسف لم يجد له أثرا، بعدما غادر المكان على غرار البرلمانيين وكل المسؤولين، لتناول وجبات غدائهم بعيدا عن هذا المشهد الجنائزي.
حكى الزميل، قصة حواره الصباحي مع هذا المسؤول الذي لم تفته الفرصة للتنبيه إلى أن صاحب المنزل رقم 62 المنهار فوق «جاره»، أشعر بإخلائه قبل سنتين، المدة التي تضاعفت أربع مرات في تصريح مسؤول لإذاعة محلية. وكأن قدر تلك البنايات والمنازل المنهارة، أن تتحمل مسؤوليتها وتأبى أن تسقط، إلى أن يمتثل أصحابها لقرارات الإفراغ، رغم أن لا قوة لهم على ذلك.
هذا الشاب فاجأ مسؤول المقاطعة، حين سأله عن الإجراء الممكن اتخاذه في موضوع منزل مهدد، غير بعيد عن «جاريه» المنهارين. «غادي ندوزوا هذ الروينة، ونديروا شي إحصاء آخر».. ذاك كان جوابه والعهدة على الراوي، الذي تأسف لما أسماه «بيع بعض المنتخبين، الوهم لمناصريهم والسكان الموجودين في دائرة نفوذهم»، متسائلا عما يمنعهم من أن يكونوا أكثر وضوحا وشفافية.
حرقة كبيرة

بحرقة كبيرة، كانت تبكي أم هالة ثاني جثة منتشلة من بين الأنقاض بعد إنقاذ الجرحى، وهي تعاين فلذة كبدها، محمولة في اتجاه سيارة الإسعاف، في مشهد «يقطع القلب»، وتكرر في أكثر من مرة، إلى درجة انخراط بعض الحضور من «الغرباء» عن الحي، في البكاء خاصة أثناء معاينة ابن يندب حظه لفراق والده المسن، و»عمارة الدار»، كما وصفه شاب من جيران الضحية.
لقد كان الجو جنائزيا بحق، على طول تلك الزنقة الضيقة وفي محيطها الأضيق، الذي عرف حركة دؤوبة زادت من حدة الاكتظاظ الذي يخنق أهم شارع رابط بين بن دباب وهذا الكاريان المولود من رحم العشوائية على غرار جيرانه من الأحياء من قبيل الحي الحسني والبورنيات وباب السيفر وعين هارون وكهف العزبة ولابيطة ظهر الخميس، فوق أرض غير صالحة للبناء.               
أشغال الحفر وحركة الجرافة في فضاء ضيق، لم تكن لتنسي النساء والرجال والأطفال، الانخراط في حكي تلقائي لما وقع كما عاينوه أو سرد لهم، ما لم تكن لتقطع حبله سوى الصيحات الموازية لكل عملية انتشال جثة. بعضهم اختار الحديث عن خصال الجيران المفجوعين، وآخرون سردوا وقائع الانهيار بإخراج اختلف باختلاف الراوي والمتلقي «الناصب» أذنيه لالتقاط الجديد.  
بائع اللبن وزبونه، الناجيان بعد انتباههما للبوادر الأولى للانهيار، والأم المرافقة لطفلتيها للمدرسة، قصتان طغتا على كل الأحاديث الموازية التي لم تبخل في إسداء النصائح لكن بعد فوات الأوان. لكن الألم المعتصر للأفئدة، كانت السمة المميزة للجميع، في ظل خوف كبير من مستقبل غامض ينتظر الناجين من هذا الحادث، قبل أن تأتي المبادرة الملكية، خطوة طمأنت الكثير منهم.

أحياء عشوائية

جلالة الملك أعطى تعليماته للتكفل بدفن الضحايا واتخاذ كل الإجراءات اللازمة لمساعدة الأسر المتضررة، ومسؤولو المدينة مطالبون بالالتفاتة إلى الناجين وأسر الضحايا، شأنهم شأن كل ضحايا الانهيارات السابقة المسجلة خلال الأشهر الماضية، بإعادة إيوائهم في منازل تنسيهم الفواجع والمواجع، كي لا تتكرر التجارب السابقة المثيرة لغضب أمثال فاقد زوجته وأبنائه الثلاثة.
بعض العارفين بخبايا موضوع ظاهرة المنازل المهددة بالانهيار بالمدينة، يقترحون بعد مباشرة إحصاء دقيق وعلمي دون اعتبارات سياسية، تمكين قاطني المنازل المهددة أكثر، من أخرى بديلة على أن تتكلف الدولة بجزء من نفقة ذلك، وليس الاكتفاء بتمكينهم من مبلغ مالي هزيل، كما وقع أخيرا بالنسبة إلى أصحاب منازل بسيدي بوجيدة، وتشكل تهديدا لحياة قاطنيها.
ولعل منطقة البورنيات الآوية لكاريان الحجوى والحي الحسني، من أكثر الأحياء احتضانا للمنازل المهددة بالانهيار، بحكم الطريقة التي نشأت فيها، فوق أراض غير صالحة وفي ظل ظروف التغاضي غير المفهوم، عن ذلك وكل أشكال البناء العشوائي، في تلك المنطقة وأحياء عوينات الحجاج والجنانات وسيدي بوجيدة، وكل حزام الفقر والتهميش بمحيط فاس العالمة بخبايا أمورها.
وتشكل المنطقة الشمالية للمدينة حيث جارات «الخمسة وأربعون» وعين هارون، أكثر المناطق عرضة للمخاطر، إذ تعرف ارتفاعا مهولا في نسبة السكن الآيل للسقوط، بشهادة مسؤولي الإسكان بالمدينة، المتحدثين عن ألفي بناية من مجموع 600 بناية مصنفة خطورتها ضمن الدرجة الأولى، من مجموع 9 آلاف بناية مهددة بالانهيار، نحو نصفها في المدينة العتيقة لفاس.

إجراءات.. لكن..

مسؤولو قطاع الإسكان، تحدثوا عن إجراءات لمحاربة ظاهرة المنازل والبنايات المهددة بالسقوط، منذ نحو ست سنوات، من خلال إنشاء لجنة لليقظة وتدبير المخاطر لمعاينة وحصر الحالات ومباشرة الإجراءات الضرورية، مع إسناد الدراسات، لمكتب الأبحاث والدراسات العمومية لإحصاء البنايات وتحديد درجة الخطورة، مع تخصيص الدعم اللازم لمكافحة الظاهرة.
عبد القادر بن باسو المفتش الجهوي للإسكان بفاس، أكد في تصريحات صحفية، أنه منذ انطلاق هذا البرنامج، رصدت الدولة 490 مليون درهم لمعالجة مشكل البنايات المهددة بالانهيار، من خلال اقتناء أكثر من 1000 شقة وتوزيعها على السكان، دون أن ينفي وجود مساعدات أخرى لمحاربة الظاهرة، والمساعدة المادية المباشرة للضحايا خاصة في منطقة الجنانات.
وتفيد أرقام رسمية أن مشروع إعادة تأهيل فاس، شمل 268 بناية وواجهات 26 زقاقا تهم 547 بناية، بكلفة قدرها 8 ملايين و864 ألف درهم، مؤكدة أن حجم الخشب المستهلك لتدعيم المباني والسقايات، بلغ 24 مترا مكعبا بمعدل 0.23 متر مكعب للبناية أي ما يوازي 50 وحدة من خشب تدعيم المباني، فيما لم تنجز الوكالة أي بطاقة للتخزين للاحتفاظ بالمخزون لدى الممونين.
ورغم كل هذه الجهود، فقاطنو تلك المنازل المهددة، لا يقتنعون بذلك، مؤكدين أن المطالبين بالإفراغ، لا ينظر إليهم كحالات اجتماعية تحتاج إلى الدعم اللازم، وتوفير سكن لائق، بل يتركون يواجهون مصيرهم إلى أن تقع الكارثة، إن لم يتم استغلالهم سياسيا بشكل بشع خلال الحملات الانتخابية، التي تقتات على مواجع هذه الفئة، من خلال وعود لا تبارح مكانها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض