fbpx
خاص

فتح المساجد … في يد الله

استثناؤها من التخفيف اعتبره البعض تناقضا في وقت تعرف الحمامات والشواطئ إقبالا كبيرا

إنجاز: نورا الفواري وتصوير عبد اللطيف مفيق

ينتظر الكثيرون، بفارغ الصبر، فتح المساجد من جديد لاستقبال أفواج المصلين، خاصة بعد أن سمحت الحكومة للمقاهي والمطاعم والحمامات والمحلات التجارية وغيرها، بفتح أبوابها، وفق شروط، في إطار المرحلة الثانية من تخفيف الحجر الصحي. وفي الوقت الذي شنت أوساط محافظة حملات على مواقع التواصل الاجتماعي، معتبرة أن الأمر حرب على الإسلام والمسلمين، حافظت الحكومة والوزارة الوصية على فضيلة الصمت، ولم تصدر أي قرار رسمي أو رد على المحتجين، مكتفية بالتصريح أن فتح المساجد رهين بتحسن الوضعية الوبائية في البلاد. “الصباح”، استقت آراء العديد من المواطنين، من مختلف التوجهات، وجاءت لكم بالشهادات التالية:

لماذا لا تزال المساجد مقفلة، رغم أن العديد من الفضاءات عادت إلى نشاطها الطبيعي، كالمقاهي والمطاعم والشواطئ والقاعات الرياضية والحمامات؟ ولماذا تم استثناؤها من إجراءات تخفيف الحجر الصحي؟ إنه السؤال المطروح على لسان العديدين، لكن جوابه يظل، إلى حدود كتابة هذه السطور، في علم الغيب.

حرب على الإسلام

سؤال أثارته العديد من الأوساط المحافظة، سواء داخل جماعة العدل والإحسان المحظورة، أو من داخل حزب العدالة والتنمية، الحزب “الملتحي”، المسير للحكومة، أو في بعض الصفحات “الفيسبوكية”، كما أثير لدى عموم الشعب، بعد أن لاحظ الكل جحافل من المصطافين تجتاح الشواطئ والحمامات الشعبية والمطاعم و”المولات” والمحلات التجارية، بدون احترام الإجراءات الوقائية، مثل ارتداء الكمامات أو التباعد الاجتماعي، لكن أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، كان حاسما في جوابه عن سؤال في مجلس النواب حول الموضوع، حين رفض رفضا تاما إعادة فتح المساجد المغلقة بشروط، مؤكدا أن المساجد لن تفتح إلا حين تسمح الوضعية الوبائية للمغرب بذلك، ومضيفا أن المساجد لا يمكنها أن تفتح بكيفية خاصة، ووفق شروط. ونقل عنه في مجموعة من وسائل الإعلام قوله “لن نستعمل مقياس درجة الحرارة في أبواب المساجد، ولا تباعدا اجتماعيا خلال الصلاة، والتعقيم عقب كل صلاة لا يكفي. إعادة فتح المساجد، إما أن يتم بشكل عاد، أو لا يتم”.
وفي الوقت الذي ينتظر الجميع خروج قرار رسمي يبشر المغاربة بإعادة فتح المساجد، لجأ البعض إلى الموقع الأزرق لإطلاق حملات “فيسبوكية” للمطالبة بفتح أماكن العبادة، معتبرين أن الاستمرار في إغلاقها، مقابل فتح فضاءات أخرى، “تعسف على الحقوق الدينية للمواطنين”، وحرب على الدين والمتدينين، وهو ما أثار نقاشا كبيرا حول الجدوى من إثارة هذا الجدل “الحساس”، في الوقت الذي كان من الممكن تفاديه بإدراجها ضمن لائحة الفضاءات المشمولة بالتخفيف.

تدبير فاشل

خالد، رجل أعمال، يرى أن في الأمر الكثير من التناقض، فإذا كان من المحتمل أن تنقل المساجد العدوى، فالحمامات والشواطئ أيضا أكبر ناقل لها، خاصة بعد الإقبال الكبير من المواطنين عليها مباشرة بعد تخفيف الحجر الصحي، غير مبالين باحترام الإجراءات الاحترازية. وأضاف قائلا، في اتصال مع “الصباح”، “لقد فشلت الحكومة في تدبير هذا الملف وأثارت جدلا مجانيا ومنحت المجال للتيارات المحافظة أن تقفز عليه وتسجل لصالحها نقاطا إيجابية، راكبة حصان الدين دائما، لما له من قدسية في قلوب ونفوس المغاربة. إضافة إلى كل ذلك، فأعداد المصلين في المساجد في الأيام العادية ليس كبيرا، ولا يزداد الإقبال عليها بشكل ملحوظ إلا في أيام الجمعة والأعياد الدينية وتراويح رمضان. فعن أي تجمهر يتحدثون؟”.
وذهبت إيمان، ربة بيت، بعيدا في محاولة الإجابة عن السؤال، حين قالت، في اتصال مع “الصباح”: “ليست مساجد المسلمين فقط التي استمر إغلاقها، بل أماكن العبادة الخاصة باليهود والمسيحيين، في جميع أنحاء العالم. ربما يرغبون في أن تكون العبادة لرب واحد، بغض النظر عن الديانات. إنها قراءتي الخاصة التي ربما لن يشاركني الكثيرون فيها، لكنها تبقى قراءة مشروعة ومختلفة. إنه قرار اتخذه كبار اللوبيات في العالم على ما أظن”.

زرابي و”سطيلات” ناقلة للعدوى

من جهتها، تعتقد مريم، مسؤولة تواصل، أن المشكل قد يكون بسبب الطريقة التي يصلي بها المسلمون، والتي تقوم على التقارب أكثر من التباعد. تقول، في اتصال مع “الصباح”: الصلاة ديالنا شي لاصق فشي. والصفوف متراصة ومتقاربة. طريقة السجود أيضا تسمح بانتقال العدوى من خلال زرابي الصلاة. تصوري واحد يسجد فيه كورونا، ويجي لاخور موراه يسجد في نفس البلاصة، مع العلم أن الفيروس كا يبقى عايش وموجود. أظن أن المسؤولين درسوا الأمر من هذه الناحية ووجدوا أن من المستحسن أن تظل مغلقة. أما الكلام حول محاربة الإسلام والمساجد الذي يردده البعض، فأظن أنه مجرد كلام فارغ لا يعتمد على أي منطق”. ويتقاسم مصطفى، موظف، مع مريم، الرأي نفسه تقريبا. يقول، في اتصال مع “الصباح”: “أعتقد أن استثناء المساجد من التخفيف قرار يحسب لمؤسسة إمارة المؤمنين أكثر مما يحسب عليها. الدولة لم ترغب في التسرع في فتح المساجد، نظرا لسهولة انتشار الوباء فيها، بالنظر إلى الحالة المزرية للزرابي التي يتشارك المصلون في الصلاة عليها، وطريقة السجود التي تسمح بانتقال العدوى عن طريق اللعاب، إضافة إلى تراص المصلين، ثم صعوبة القيام بالتعقيم بعد كل صلاة. المصلون أيضا يتوضؤون في “سطيلات” مشتركة، ولا وجود لتباعد أثناء الصلاة. أضف إلى ذلك أن السلوك الخاص بالمواطنين، الذين يفتقدون للكثير من الوعي، سيدفعهم إلى الاستهتار بالتعليمات والنصائح وإجراءات الوقاية. أظن أن فتح المساجد كان سيكون مغامرة غير محسوبة العواقب”.

من الصعب التحكم في أعداد المصلين

من جهته، يعارض حميد، طالب يبلغ من العمر 22 سنة، فتح المساجد حاليا، ويعتقد أن قرار إغلاقها انطلق من غاية الدين الأسمى في الحفاظ على سلامة العباد، وبالتالي فمن يطالب بإعادة فتحها في إطار المرحلة الثانية من التخفيف، مثلها مثل المقاهي والمحلات التجارية وغيرها، يحملون مجرد شعارات واهية، يرغبون من خلالها في تسويق صورة العبد الصالح، لأنه من الصعب التحكم في أعداد المصلين، الذين يتوافدون على المسجد خلال صلاة الجمعة أو في التراويح أو العيد. ويضيف حميد، في اتصال مع “الصباح”: “أظن أنه لولا تخوف الدولة من الكساد الاقتصادي، الذي ضرب العديد من القطاعات، لما فتحت أي فضاء، ولظل الناس في حجرهم الصحي قاعدين. أما القرب من الله، فمتاح في كل مكان وزمان، لكن سلامة العباد فوق كل اعتبار. إلى جانب ذلك، فإن أغلب رواد أماكن العبادة هم كبار في السن، يعانون أمراضا مزمنة، وبالتالي فهم أكثر عرضة للإصابة بالعدوى. فتح المساجد خطوة تتطلب مراقبة ومتابعة متواصلة. ومن يفقه في الدين يعلم أن من تمام الصلاة تسوية الصفوف وسد الفرج بين المصلين، عكس بقية المجالات التي يمكن فيها احترام التباعد الاجتماعي، المقاهي والمطاعم نموذجا. وبالتالي، فإن عدم فتح المساجد لحدود اليوم، يمكن اعتباره من بين القرارات، التي تحسب لوزارة الشؤون الإسلامية بالمغرب، تفاديا لكل ما من شأنه أن يساهم في انتشار الوباء مجددا”.

المقاهي والمطاعم تحرك الاقتصاد

التفكير نفسه، تتبناه أمينة، باحثة. تقول في اتصال مع “الصباح”: “جميع الدول في العالم قررت إغلاق أماكن العبادة لأنها فضاءات مقدسة وحميمية تعرف إقبالا كبيرا وازدحاما. وهي فضاء للاحتفالات كذلك لدى بعض الديانات الأخرى. لا يمكن التحكم في أعداد الأشخاص الذين يلجون فضاء للعبادة، لأنه لا يشبه باقي الأماكن المغلقة الأخرى. كما يصعب جدا منع الناس من الدخول إلا في حدود عدد معين أو مراقبته من طرف الأمن”.
وتضيف “بالنسبة إلى المساجد، فهي تتوفر على زرابي ملتصقة بالأرض حتى لا تتم سرقتها، وبالتالي لا يتم تنظيفها أو استبدالها بشكل منتظم، وكذلك الأمر بالنسبة إلى باقي مرافق المسجد الأخرى، علما أن المسلمين يصلون خمس مرات في اليوم، كما أن البعض لا يغادر المسجد بين الصلوات لقراءة القرآن أو أداء النوافل، وبالتالي فمن الصعب جدا، من الناحية اللوجستيكية، تعقيم المسجد بعد كل صلاة.
لا نملك الآليات التي تمكننا من التحكم جيدا في فضاءات العبادة. أما بالنسبة إلى من يقولون لماذا المساجد فقط وليس المقاهي والمطاعم والمحلات التجارية، فأقول لهم لا مجال للمقارنة نهائيا، فالفنادق والمطاعم وغيرها تدخل في النظام المحرك لعجلة الاقتصاد، في حين أن أماكن العبادة لا يمكن إدخالها ضمن مجال محدد، لأنها مرتبطة بحرية العقيدة، التي يمكن أن تمارسها بغض النظر عن المكان، لأنها علاقة شخصية بينك وبين الله. إذ يمكن أن تصلي في منزلك أو في أي مكان ليس مخصصا بالضرورة للعبادة. وهذا يشمل جميع الديانات، وليس الإسلام وحده”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق