fbpx
خاص

آسفي تحت الحصار

آلاف النساء يعملن في 18 وحدة صناعية تنعدم فيها شروط الكرامة

تخفي أرقام ومعاملات معامل التصبير، ونسب الإنتاج والتصدير، واقعا مريرا ومأساة اجتماعية، ضحيتها نساء يبحثن عن رغيف خبز حاف، إذ دفعتهن الفاقة والعوز إلى قضاء ساعات من العمل في ظروف صعبة، وفي أحايين كثيرة لا تحترم آدميتهن حتى.. لا أحد من المسؤولين نفض الغبار يوما ما عن واقع يأبى الارتفاع بمعامل التصبير، وكانت الأصوات المبحوحة لنساء ضاق صدرهن ولم يتحملن كل تلك المهانة، تكاد لا تصل إلى المكاتب المكيفة للمسؤولين. ورغم كل القساوة والمعاناة، لنساء فقدن بريق أنوثتهن من أجل أجر بخس، فإنهن لم يكن ينتظرن أن يتحول أحد المعامل الذي يضم قرابة 600 عاملة إلى بؤرة لفيروس كورونا..
في هذا الربورتاج، نعيد تركيب مأساة اجتماعية امتدت لسنوات، قبل أن يفضح كورونا جزءا منها..

إنجاز: محمد العوال (آسفي)

ارتبط اسم آسفي بمعامل السمك، وصنفت في فترات زمنية عاصمة السردين، الذي يستهوي كل من زار المدينة.
ونظرا لوفرة الإنتاج السمكي بالمدينة، تم إحداث مجموعة من معامل تصبير وتعليب السمك، وتصدير المنتوج إلى دول في مختلف قارات العالم.
وهكذا، فإن أول معمل شيد بآسفي، حسب مصدر من ملحقة غرفة التجارة والصناعة والخدمات، كان في 1920، ليرتفع العدد إلى ثمانية معامل خلال 1925، قبل أن يصل إلى 13 معملا خلال 1930.
وبعد فترة الاستقلال، تضاعفت أعداد معامل التصبير، التي وصلت إلى حوالي 80 معملا للتصبير وتعليب السمك، استقطبت يدا عاملة مهمة من آسفي وكذا الجماعات القروية المجاورة، وصارت تشكل هذه المعامل، عصب الاقتصاد المحلي للمدينة.
وخلال منتصف الثمانينات من القرن الماضي، بدأت أعداد هذه المعامل تتراجع، وأعلنت شركات عدة إفلاسها، وأغلقت أخرى أبوابها ونقلت نشاطها نحو مدن أخرى خصوصا أكادير، ولم يعد عدد الوحدات يتعدى 18 معملا، تستقطب جميعها حوالي 8000 من اليد العاملة، يقول أحد العاملين بقطاع تصبير الأسماك.

معاناة برائحة السردين

تحتفظ العديد من النسوة اللواتي يشتغلن بمعامل تصبير الأسماك بآسفي، بذكريات أليمة، يختلط فيها الفقر والعوز بجشع الباطرونا.
تجلس السعدية القاطنة بحي البيار، القرفصاء أمام باب منزلها، تحكي عن تجربة قاربت العقدين من الزمن داخل دواليب أحد المعامل.
تغادر السعدية منزلها في ساعات باكرة متوجهة نحو العمل “إذ جربت قساوة الظروف الطبيعية والمناخ، قبل قساوة العمل وشظف العيش، إذ كانت أغادر المنزل والصقيع يلف الشوارع، كما الظلام الحالك، لا أسمع سوى عويل كلاب ضالة ودبيب أقدامها، قبل أن أصل حيث حافلة مهترئة لم تعد صالحة للاستعمال الآدمي، تنقلنا إلى المعمل، لبدء رحلة المعاناة التي تتجدد كل يوم”.
السعدية، التي أذابت مياه السمك الساخنة وزيته يديها، ما هي إلا واحدة من مئات النساء اللواتي، قررن البحث عن رغيف خبز بين معامل تصبير السمك.. كانت كل آمالهن الاشتغال في ظروف تحفظ كرامتهن وتصون عرضهن.

تحكي العديد من النسوة ما يتعرضن له من استغلال بشع من قبل بعض أرباب المصانع، إذ الأجور هزيلة جدا، وعدد منهن غير مسجلات بالضمان الاجتماعي، فضلا عن غياب التأمين وغيرها من الشروط التي حددها المشرع، في تنظيم علاقة المشغل بالأجير.
فاطمة (56 سنة)، قضت سنوات من عمرها بأحد معامل تصبير السمك، ترى أن الحديث عن الحقوق هو ضرب من الخيال، “هنا الكل يباع ويشترى، لا أحد يدافع عنا.. النقابة عبارة عن ملحقة تابعة للباطرونا، نعتبر وجودنا بها من صميم وجودنا داخل المعمل”.
“شحال ديال العيالات مرضوا، وتلاحوا فحالهوم شكون دافع عليهم، شحال من وحدة تعرضت للتحرش الجنسي، وغير دوات على حقها، وصيفطوها بحالها.. هنا كاين قانون الغاب، واللي دواه عارف أش كيتسناه.. ميمكنش شي واحد يدوي في ظل هاذ الوضع”، تقول فاطمة.

تسترجع فاطمة ذكريات أليمة من معاناة نساء المعامل، لتتوقف عند حالة زميلتها لالة السعدية. تقول فاطمة “لالة السعدية ليست مجرد صديقة في العمل، بل اعتبرها أختي، قضت حوالي 28 سنة من عمرها، أي منذ 1991، في معمل للتصبير، إلى أن سقطت مغمى عليها خلال أحد أيام السنة الماضية، وأصيبت بشلل نصفي.
تحكي فاطمة أن إدارة المعمل، وفي سلوك ينم عن تحقير العاملات والتعامل معهن وكأنهن غير آدميات، إذ تم نقلها على متن سيارة المعمل إلى محل تقليدي يقوم فيه ممرض سابق بقياس الضغط الدموي، وتركوها هناك ملقاة في الشارع، إلى أن تطوع بعض المارة، ونقلوها إلى منزلها بحي أموني، تعاني في صمت، وتتأسف عن جزء من حياة أفنتها في خدمة شركة أعمى الجشع بصيرتها، وحولها إلى أداة لاستنزاف طاقة وصحة العاملات.
تخلص فاطمة إلى أن لا أحد هنا في العمل، يضمد جروحا غائرة في أجساد نساء، فقدن بريق أنوثتهن وتحولن إلى أداة تشتغل أكثر من 12 ساعة، للرفع من ثروة شركات لا تحترم كرامة الإنسان.

الاتفاقية الجماعية… الأكذوبة

ارتباك في تدبير الأزمة
خلال مارس 2009، وقع الاتحاد المحلي لنقابة الاتحاد المغربي للشغل، وأرباب معامل تصبير وتعليب السمك بآسفي، الذين ينتظمون في جمعية، على اتفاقية جماعية، من أجل حل مشكلة التعويضات العائلية، التي حددها مرسوم صادر في يوليوز 2008 (المادة الثانية منه).
واعتبر الكثيرون أن توقيع هذه الاتفاقية، بداية لنهاية سنوات الاستغلال والاستعباد في معامل التصبير، غير أنه وبعد مرور أزيد من عشر سنوات من توقيع الاتفاقية المذكورة، لم يتحقق للعاملات شيء مما ذكر فيها، بل إن أغلبهن لا يعلمن أساسا بوجود الاتفاقية، التي تنص أحد بنودها على أنها تتجدد كل 3 سنوات بتمديد ضمني، بعد توقيعها بين الطرفين (الكاتب العام للاتحاد المغربي للشغل المحلي وممثل للغرفة النقابية لصناعيي التصبير بآسفي).

ظلت هؤلاء النسوة يطاردن لقمة العيش بطعم المهانة بين معامل التصبير، في صمت وخنوع، إلى أن تفجرت بؤرة بأحد المعامل، لتكون بداية البوم وكشف جراح الماضي والحاضر.
خلال يونيو الماضي، أصيب 16 شخصا، يتحدرون من جماعات بوكدرة وسيدي عيسى، بالإضافة إلى آسفي، واتسعت رقعة المصابين، لتشمل نزلاء بالمستشفى الإقليمي محمد الخامس بآسفي.
كانت مخالطات إحدى المصابات تشتغل بقطاع تصبير السمك بمعمل إنيمير، إذ تم إخضاعها لتحليلة مخبرية، وعوض أن تعود هذه المرأة إلى منزلها للحجر الصحي، توجهت نحو المعمل، وفي الوقت الذي تم التوصل بنتيجة التحليلات المخبرية، تبين أنها مصابة بفيروس كورونا، ليتم الانتقال إلى المعمل، وإخضاع 60 عاملة للتحليل، ومطالبتهن بالحجر الصحي بمنازلهن.

كانت نتائج التحاليل صادمة، إذ تبين أن 55 من العاملات مصابات بالفيروس، لحظتها بدا الارتباك على السلطات الإقليمية في التعاطي مع هذه البؤرة.
وتواصلت نتائج إجراء التحليلات المخبرية للعاملين بهذا المعمل، لتصل إلى ما مجموعه 535 حالة مؤكدة إلى حدود صباح أمس (الاثنين).
أمام هذا الوضع المعقد، تلقى كريم قسي لحلو، والي جهة مراكش آسفي تعليمات من عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية، من أجل الانتقال إلى آسفي، والإشراف على تتبع الحالة الوبائية، واتخاذ الإجراءات اللازمة، ومنها إغلاق الولوج والخروج إلى آسفي، وإغلاق جميع معامل تصبير السمك 18، وإغلاق الأحياء التي تتحدر منها الحالات المؤكدة، وغيرها من التدابير والإجراءات.

إدارة معمل إنيمري التي تفجرت بها هذه البؤرة، اختارت الصمت المطبق، في وقت خرجت عاملات لكشف المستور، إذ تؤكد إحدى العاملات، “كنا نشتغل كتفا على كتف دون تباعد، منذ رفع الحجر الصحي”، مضيفة أنه تم إخبارهن في أحد الأيام الماضية، أن هناك لجنة للمراقبة، وتم إنزال أغلب العاملات إلى طابق سفلي وتكديسهن، وطُلب منهن التزام الصمت..
وأضافت “لا يوجد أي جهاز لقياس درجة الحرارة.. ولا مواد للتعقيم، ولا كمامات، حتى الماء يتم قطعه”، تقول تلك العاملة بوجه مكشوف في مواقع التواصل الاجتماعي.
العديد من الأصوات، طالبت السلطات الإقليمية والجهات المختصة بفتح تحقيق، بخصوص تصريحات هذه العاملة، التي تتقاطع مع تصريحات عاملات أخريات، أكدن أنهن لم تكن هناك أي شروط للصحة والسلامة بالمعمل المذكور.

يرى كثيرون أن تعامل السلطات مع الحالة الوبائية كان كارثيا بكل المقاييس، وتأكد أن رئيس لجنة اليقظة استسلم للأمر الواقع، ما جعل وزير الداخلية يرسل على عجل والي جهة مراكش آسفي لترؤس اجتماعات لجنة اليقظة.
وتؤكد المصادر أن من التجاوزات المسجلة بآسفي، عدم تقيد العديد من أرباب المعامل بالشروط، التي حددتها وزارتا الداخلية والصحة، إذ عادت المعامل إلى الاشتغال بشكل عاد، وهناك بعض المعامل رفعت من اليد العاملة، في حين أن لجن المراقبة لم تقم بدورها كاملا.
كما أن إجراء التحاليل لمجموعة من العاملات، لم يوازه فرض حجر صحي، بل تركت تلك النسوة يتجولن بكل طمأنينة، كما تؤكد إحداهن “لقد زرت قريبتي التي رزقت بمولود قبل أيام، وزرت خالتي المصابة بالسرطان”، ما يعني احتمال انتقال الفيروس إلى أشخاص يعانون ضعف المناعة.
هذا الأمر تكرر مع عاملة بقطاع النظافة بقسم مرضى القصور الكلوي، التي تم إخضاعها للتحاليل المخبرية، ومع ذلك، ظلت تواصل عملها بشكل اعتيادي، إلى أن تم التوصل بنتيجتها، التي أتت إيجابية.

على سبيل الختم

رغم أن العديد من الحالات الناتجة عن بؤرة معمل التصبير، مازالت تتناسل يوما عن يوم، ورغم مطالب العديد من الحقوقيين ونشطاء المجتمع المدني، فإنه وإلى حدود أمس (الاثنين)، لم يصدر أي أمر، من قبل السلطات المختصة لإجراء تحقيق وتحديد المسؤوليات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى