خاص

روح فلويد تذكي الربيع الأمريكي

رقعة الاحتجاجات تتسع وترامب يهدد بإنزال الجيش ويعلن حظر تجوال في البلاد

تتوسع احتجاجات الأمريكيين على مقتل الشاب جورج فلويد على يد شرطي أمريكي في ولاية مينيابوليس، لتصل إلى أكثر من 20 مدينة، تدخلت فيها الشرطة باستعمال الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي لوقف أعمال الشغب والنهب والتخريب، كما فرضت حظر التجوال في كامل البلاد لساعات طويلة.

إنجاز: العقيد درغام

وصلت الاحتجاجات إلى محيط البيت الأبيض، اضطر معها الرئيس الأمريكي إلى الاختباء في قبو، مهددا بإنزال الجيش إذا عجز المسؤولون بالولايات الأمريكية عن وقف الاحتجاجات في الأيام المقبلة، قبل أن يترجل إلى خارج مقر عمله أول أمس (الاثنين)، على بعد أمتار من المحتجين الغاضبين، وسط حراسة أمنية شديدة.
وفي وقت يتهم فيه الرئيس الأمريكي اليسار المتطرف بإشعال نار الاحتجاجات، توسعت حملة التضامن في دول أخرى، إذ نظمت احتجاجات في عواصم ومدن خارج أمريكا، فيما انضم رياضيون من جنسيات مختلفة وسياسيون إلى المحتجين.
وأمام صمت دولي رسمي، لم تتردد إيران والصين في رد الصاع صاعين للإدارة الأمريكية، وانتقاد الطريقة التي يتم بها التعامل مع المحتجين، مطالبين ب”وقف العنف الممارس على الشعب الأمريكي”.

محاصرة البيت الأبيض

ارتفعت حدة الاحتجاجات أمام البيت الأبيض، بسبب مقتل فلويد، إذ اضطرت الشرطة الأمريكية خلال الأيام القليلة الماضية، إلى استعمال الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين، فيما فرضت حظر تجول في كامل البلاد للحد من الاحتجاجات.
وعلى غرار واشنطن، شهدت مدن أمريكية كثيرة مظاهرات حاشدة، عرفت تدخلا أمنيا قويا لوقف أعمال الشغب والنهب والتخريب، وحصلت مواجهات بين رجال الأمن ومتظاهرين.
وذكرت وكالات أنباء أوربية وأمريكية، من بينها “أ.ف.ب”، أن الأمن الأمريكي استخدم الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي لوقف الاحتجاجات وإنهاء عمليات النهب والشغب، فيما لجأ بعض الغاضبين إلى إشعال النيران في مؤسسات ومتاجر ومحلات “ماركات” عالمية شهيرة.
وتأتي هذه الأحداث بعدما عبر بعض القادة السياسيين عن غضبهم أخيرا بعد مقتل فلويد، وطالبوا بمسيرات غاضبة في مينيابوليس وعدد من المناطق والمدن الأمريكية، من بينها لوس أنجلوس وهيوستون وواشنطن ومينيسوتا وأتلانتا وشيكاغو.
واضطر المسؤولون المحليون تحت ضغط الرئيس دونالد ترامب، إلى إعلان حظر التجول لتفادي مواجهة مع المحتجين.
وحسب المصادر نفسها، دارت مواجهات في أكثر من عشرين مدينة، ما دفع السلطات إلى استدعاء قوات الحرس الوطني للمساعدة في السيطرة على الاحتجاجات، التي وصفتها الصحافة المحلية ب”غير المسبوقة”.
وشهدت سياتل ونيويورك المواجهات نفسها، إذ تظاهر عشرات الآلاف للمطالبة بتوجيه تهمة القتل العمد وتوقيف آخرين في قضية فلويد.
ونقلت وسائل إعلام مختلفة خبر نقل ترامب إلى قبو بالبيت الأبيض، خوفا على سلامته من الاحتجاجات، قبل أن يترجل في محيط مقر عمله أول أمس (الاثنين)، على بعد أمتار من المحتجين، محاولا إنهاء غضبهم.

ترامب يهدد بإنزال الجيش

انتقدت وسائل إعلام أمريكية، وسياسيون محليون، تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب بعد اندلاع الاحتجاجات، ووصفوها بأنها “تصب الزيت على النار”.
وكتب ترامب تغريدة على صفحته الرسمية في موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، قال فيها “تهاني للحرس الوطني على العمل الرائع الذي قاموا به عند وصولهم فورا إلى مينيابوليس”، مضيفا “يجب الاستعانة بهم في ولايات أخرى قبل أن يفوت الأوان”.
وهدد الرئيس الأمريكي في تصريح أول أمس (الاثنين)، بإنزال الجيش، إذا واصل المحتجون التخريب والشغب في كل الولايات، كما طالب المسؤولين في كل مناطق البلاد بتحمل مسؤولياتهم، قبل أن يتخذ قرارا بتحريك الجيش، في وقت وجه الرئيس اللوم إلى “اليسار المتطرف”، متهما إياه ب”إشعال نار الفتنة” في الولايات المتحدة.
وقال ترامب إن المحتجين يتعاملون بشكل سيئ مع “الموت المفجع لفلويد”، مضيفا “أنهم يلحقون العار به”.
وأبرز قائلا، “يجب علينا ألا نسمح لمجموعة صغيرة من المجرمين والمخربين بتدمير مدننا”.

مظاهرات تجاوزت الحدود الأمريكية

لم تتوقف الاحتجاجات والمظاهرات في الأراضي الأمريكية، بل تجاوزتها إلى دول أخرى مجاورة وأوربية، طالبت بمحاكمة المسؤولين عن مقتل جورج فلويد، ووقف العنصرية ضد السود.
وتظاهر آلاف الأشخاص نهاية الأسبوع الماضي، في مونتريال الكندية، معبرين عن غضبهم من مشاهد العنف التي رافقت احتجاجات الأمريكيين في عدد من الولايات ضد مقتل فلويد.
وحسب وكالة الأنباء الفرنسية، جال ما يقارب 10 آلاف شخص، شوارع المدينة، تضامنا مع المحتجين في الولايات الأمريكية، ومطالبين بوقف العنف ضدهم.
ورغم أن الاحتجاجات كانت هادئة في بدايتها، لكن بعضها شهدت مواجهات مع الأمن، مساء الأحد الماضي، وصلت إلى حد إطلاق غاز مسيل للدموع.
وعلى غرار مونتريال، شهدت مدن أوربية الشيء نفسه، على غرار برلين، التي خرجت فيها مظاهرة أمام السفارة الأمريكية، منددة بعنف الشرطة ضد المحتجين.ورفعت المسيرة التي شارك فيها الآلاف، شعارات تطالب بوقف العنف والعنصرية ضد السود، وصياغة قوانين تضمن حقوقهم بالتساوي مع باقي المواطنين.

الصين وإيران ردتا الصاع صاعين

 لم تتجرأ أي دولة على التعليق على ما يجري في الولايات المتحدة ، باستثناء الصين وإيران، اللتين تعتبران العدوتين المباشرتين لأمريكا في الفترة الأخيرة.
وفي السياق نفسه، قال تجاو ليجيان، المتحدث باسم الخارجية الصينية، بداية الأسبوع الجاري، إن “الاضطرابات في الولايات المتحدة تظهر خطورة مشكلتي العنصرية وعنف الشرطة، وتكشف عن المعايير المزدوجة لواشنطن.
وأضاف المسؤول الصيني أن “حياة السود أيضا يجب احترامها، وضمان حقوقهم الإنسانية”، مشيرا إلى أن “العنصرية تجاه الأقليات الإثنية في الولايات المتحدة مرض مزمن في المجتمع الأمريكي”.
وانتقد المسؤول الصيني تعامل السلطات الأمنية بأمريكا مع الاحتجاجات، وقال إن العنف الممارس على المحتجين، “مثال واضح على معاييرها المزدوجة المعروفة عالميا. لماذا تكرم الولايات المتحدة ما يسمى بالعناصر المطالبة باستقلال هونغ كونغ، بوصفهم أبطالا ونشطاء، فيما تصف الأشخاص الذين يتظاهرون احتجاجا على العنصرية ب”مثيري شغب”؟ من جهتها، انتقدت إيران أيضا طريقة تعامل أمريكا مع الاحتجاجات، إذ دعت وزارة الخارجية الإيرانية السلطات الأمنية الأمريكية، إلى “وقف العنف ضد الشعب الأمريكي”.
وقال عباس موسوي، المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، في مؤتمر صحافي في طهران، “لقد سمع العالم صوت مظلوميتكم ويقف إلى جانبكم”، موجها رسالة للأمن الأمريكي، مفادها “أوقفوا العنف ضد شعبكم ودعوهم يتنفسون”.
وأضاف “نأسف بشدة أن نرى الشعب الأمريكي، الذي يلتمس سلميا الاحترام ووقف العنف، يقمع بصورة عشوائية ويقابل بأقصى أشكال العنف”.

نجوم الرياضة ينضمون للاحتجاجات

انضم نجوم الرياضة عبر العالم إلى الاحتجاجات الغاضبة على وفاة فلويد، من بينهم أسطورة كرة السلة الأمريكية مايكل جوردان، والبريطاني لويس هاميلتون بطل العالم لسباقات “فورمولا واحد”، ناهيك عن لاعبي كرة القدم في ألمانيا وبريطانيا.
وأصدر جوردان بلاغا غاضبا قال إنه يدين “العنصرية المتأصلة في الولايات المتحدة”، مبرزا أنه “حزين كثيرا لما يحدث في بلاده، وأنه غاضب بشدة”.
وطالب جوردان بإعادة النظر في القوانين لمحو العنصرية من المجتمع الأمريكي، معترفا أن السود عانوا بسببها طيلة السنوات السابقة.
من جهته، ندد هاميلتون، بطل العالم لسباقات “فورمولا 1” ست مرات، بصمت نجوم هذه الرياضة، مطالبا إياهم بالتحرك والانضمام إلى الاحتجاجات.
من جهته، قاد جايلين براون، لاعب بوسطن سيلتكس الأمريكي للسلة، سيارته لمدة 15 ساعة للمشاركة في مظاهرة سلمية في أتلانتا بولاية جورجيا.
وقال رودجر غودويل، مفوض دوري كرة القدم الأمريكية للمحترفين، إن المظاهرات “تعكس الألم والغضب والإحباط الذي يشعر به الكثير منا”، فيما نشرت سيرينا ويليامس، لاعبة التنس الأمريكية الشهيرة، فيديو على حسابها الشخصي في موقع التواصل “إنستغرام”، قالت فيه إن السود لا يجب أن يشعروا بهذا الإحساس أبدا، وعبرت أيضا عن حزنها لما يحصل في الولايات الأمريكية.
ولم تتوقف حملة تضامن الرياضيين مع الاحتجاجات في أمريكا، عند الولايات المحلية، بل انتقلت إلى لاعبي كرة القدم في ألمانيا، إذ أبدى ثلاثة لاعبين سود في الدوري الألماني تضامنهم مع فلويد، أبرزهم المهاجم الفرنسي ماركوس تورام، لاعب بوروسيا مونشنغلادباخ.
وعبر الدولي المغربي أشرف حكيمي والدولي الإنجليزي جاندو سانشو، لاعبا دورتموند الألماني عن تضامنهما مع فلويد، بشعار كتباه على أقمصتهما بعد تسجيلهما لهدف لصالح فريقهما في الدوري الألماني نهاية الأسبوع الماضي. وانضم الأمريكي ويستون ماكنزي، لاعب شالك الألماني، إلى الاحتجاجات، بارتداء شارة سوداء خلال المباراة أمام فيردر بريمن، كتب عليها أيضا “العدالة لجورج”.

فلويد… بوعزيزي أمريكا

تسميه وسائل الإعلام “بوعزيزي أمريكا”، كناية بالبوعزيزي الذي أشعل ثورة تونس في بداية الربيع العربي.
هو شاب يبلغ من العمر 46 سنة، تعرض للطرد من عمله بعدما أرخت جائحة كورونا بظلالها على الاقتصاد العالمي، وبات عاطلا عن العمل ولا يملك قوت يومه.
في يوم من الأيام، دخل متجرا لاقتناء علبة سجائر، وإذا بصاحب المحل، يكتشف أن النقود الذي منحه إياها فلويد مزورة، ليتصل بالشرطة، وهو ما نفاه المعني بالأمر، الذي جلس في قارعة الشارع ينتظر الشرطة، وسيلة ليبرر أنه لا يزور النقود، وأنه بريء، دون أن يعلم، أنه جلس ينتظر نهايته.
وبعد قدوم الشرطة، تعامل بحكمة، وحاول تفسير الأمر لرجال الأمن، لكنهم قرروا تصفيده واقتياده إلى سيارة الأمن، التي رفض الدخول إليها لأنه يعاني “فوبيا” الأماكن المغلقة.
ورغم استعطافه لرجال الأمن، أصر أمنيان وأحدهما المتهم بقتله اليوم، إدخاله بالقوة، ليسقط تحت عجلة سيارة الأمن، ويبدأ بذلك العد التنازلي لنهايته، في فيديو صور وجاب العالم بأسره، وأشعل اليوم فتيل أكبر احتجاجات عاشتها أمريكا في تاريخها الحديث، لتكون آخر كلماته “إنه وجهي يا رجل … أنا لم أرتكب أي جرم خطير يا رجل … أرجوك … لا استطيع التنفس …انهض عني فقط … لا أستطيع التنفس … أمي … كل شيء يؤلمني أرجوك … سيقتلونني”.

الشرطة والسود… تاريخ دموي

أدى مقتل جورج فلويد، الرجل الأسود الأمريكي، على يد شرطي أبيض، إلى استرجاع تاريخ دموي يربط الشرطة بالأمريكيين السود من أصل إفريقي، فلا تمر سنة على أمريكا “مهد الحرية” إلا وتسجل حدثا عنصريا ضد هذه الفئة.
ولتتبع جرائم الشرطة ضد الأمريكيين السود في الفترة الأخيرة، نجد أن السنوات الماضية كانت حافلة بهذه الجرائم، إذ في 2014، قتل شاب من أصل إفريقي يدعى “مايكل براون”، كان في الثامنة عشرة من العمر، برصاص أطلقه شرطي أبيض في “فرغوسن” بولاية “ميسوري”، أدى إلى أعمال عنف استمرت عشرة أيام من 9 إلى 19 غشت، بين أصحاب البشرة السمراء وقوات الأمن التي استخدمت بنادق هجومية وآليات مصفحة، وفي نهاية نونبر من السنة ذاتها، أسقطت الملاحقات ضد الشرطي، ما أدى إلى موجة ثانية من أعمال العنف.
ولم تمر على أحداث “فرغوسن” سوى سنة واحدة، قبل أن تسجل في 19 إبريل 2015، وفاة “فريدي جراي”، وهو شاب من أصل إفريقي يبلغ من العمر 25 عاما، بعد إصابته بكسور في فقرات العنق، عند نقله على متن شاحنة صغيرة للشرطة في “بالتيمور” بولاية “ميريلاند”، وأدى نشر تسجيلات فيديو توثق إيقاف الشاب، إلى أعمال شغب ونهب في المدينة، التي يبلغ عدد سكانها 620 ألف نسمة، ويشكل أصحاب البشرة السمراء قرابة الثلثين، إذ أعلنت حالة الطوارئ واستدعت السلطات الجيش والحرس الوطني.
وفي شتنبر 2016، جرت تظاهرات عنيفة في “شارلوت” بولاية “كارولاينا” الشمالية بعد مقتل “كيث لامونت سكوت”، وهو رجل أسود البشرة، في الثالثة والأربعين من العمر، إذ قالت قوات الأمن إنه جرح بالرصاص، بينما كان يرفض تسليم سلاحه، لكن أقرباءه يؤكدون أنه لم يكن يحمل سوى كتاب بيده، وينتظر بسلام ابنه عند موقف للحافلات. وبعد تظاهرات استمرت عدة ليال، أعلن حاكم الولاية حالة الطوارئ وطلب تعزيزات من الجيش والحرس الوطني.
وأما بالنسبة إلى العام الحالي، فقد اندلعت صدامات بين متظاهرين والشرطة، وأعمال عنف في “مينيابوليس” بولاية “مينيسوتا”، بعد وفاة “جورج فلويد” أثناء إيقافه من قبل الشرطة. وأوقف الشرطي الأبيض “ديريك شوفين”، الذي يظهر في تسجيل فيديو انتشر بسرعة، جورج فلويد، وهو يثبته على الأرض بساقه، واتهم “بالقتل غير العمد”. وامتدت المواجهات إلى مدن نيويورك وفيلادلفيا ولوس أنجلوس وأتلانتا أيضا، ما دفع المسؤولين في المدينتين الأخيرتين ومعهما ميامي وشيكاغو إلى إعلان حظر التجول.

عصام الناصيري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق