fbpx
بانوراما

الأوبئة والمجاعات في المغرب 5 … الجيش ينقل الطاعون

الصراع على العرش في تلك الفترة كان على أشده بين المولى عبد الله والمولى المستضيئ عبآ له وحدات عسكرية متعددة الأصول فتك الطاعون بمعظمها

يحفل تاريخ المغرب بكثرة الأوبئة التي فتكت بآلاف المغاربة، وأثرت، خلال تلك الحقبة، بشكل كبير على البنية الديمغرافية للسكان، وشكلت رواسب نفسية في الذهنية الجماعية، مازالت حاضرة داخل المجتمع.
في مقال صدر في 1974، من الباحثين برنار روزنبرجي وحميد التريكي، معنون بـ”المجاعات والأوبئة في مغرب القرنين 16 و17″، تتم الإشارة إلى أن وباء الطاعون الأكثر شيوعا في المغرب، حيث يتردد كثيرا على ألسنة المغاربة عبر مختلف الحقب، إضافة إلى حمى التيفوئيد والجدري والسل والحصبة، فكيف واجه المغاربة هذه الجوائح؟
خالد العطاوي

عندما رمى الطاعون بكل قسوته على البلاد، كانت الظرفية تشكل أرضية مناسبة لتزيد لهيبه اشتعالا. فإلى جانب المجاعة السابقة، التي هدت صحة السكان، كان الصراع على أشده حول العرش، وكان المتنافسان عليه، المولى عبد الله والمولى المستضيئ، قد عبآ له وحدات عسكرية متعددة الأصول.
كانت عدة وحدات عسكرية موبوءة بالطاعون، فمشرع الرملة، وهو أهم تجمع عسكري لجيش العبيد، من بين المراكز الأولى التي أصيبت، وتقول مراسلة بتاريخ 6 نونبر ” إن العبيد كانوا يموتون بالآلاف، والموت مايزال يحصدهم على الأقل بالمآت”.
يستفاد من المراسلة نفسها، أن قائد الجيش قرر، بعد أن رأى هذا الموت الذريع في معسكره، الخروج متذرعا بتوجيه حملة ضد فاس ليطرد منها المولى عبد الله، لكن تبين في ما بعد أنه إنما خرج فرارا من الوباء، مع ذلك كان يموت من جيشه 20 إلى 30 جنديا في اليوم. وتفيد مراسلة أخرى بتاريخ 16 أكتوبر أن الجيش الذي عبأه باشا تطوان لمحاربة المولى عبد الله كان يخسر كل يوم 25 إلى 30 ضحية بالوباء، كما تفيد المراسلة نفسها أن جل فرقة العبيد، المشايعة للمولى عبد الله، تعرضت للهلاك مع عدد من العناصر الأخرى.
وإذا كان التجار هم الذين أدخلوا الطاعون إلى المغرب، فإن وحدات المقاتلين، هي التي لعبت أهم دور في نشره أولا، على طول محور تنقلاتها، وثانيا، بعد عودة أفرادها الموبوئين إلى مواطنهم الأصلية.
وينبغي الإشارة إلى الدور التقليدي، الذي لعبته هذه الحروب والمتمثل في أعمال النهب والتخريب، والتي أدت إلى تفشي الخوف، واشتداد الغلاء، وانتشار الجوع، خاصة في فاس التي تعرضت من جديد لمجاعة طاحنة، إلى حد أن الكثيرين من سكانها تشتتوا في المدن الشمالية، بحثا عن لقمة العيش.
ساعدت هذه العوامل مجتمعة على امتداد الوباء جغرافيا واسعا، فاكتسح شمال البلد، خاصة في فصل الربيع، ضاربا أهم مدنه، مثل فاس ومكناس، وزرهون، ووزان والقصر، وتطوان، وسلا والرباط، وباستثناء هاتين المدينتين، يبدو أنه تميز في كل الجهات بقوة تدميرية، خاصة في القصر الكبير ووزان، إذ تفيد مراسلة بتاريخ 25 ينويو 1742 بأن الكثيرين كان يموتون بهما وأن من بقي فيهما على قيد الحياة لاذ بالفرار نحو المعمورة، إلى حد أنهما هلتا تماما من سكانهما، ويقول المؤرخ محمد الضعيف :” كثر الموت وضاعت من الخلائق مالا يحصى عددها، حتى قيل مات من داخل القصر 14 بالطاعون”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى