fbpx
بانوراما

الأوبئة والمجاعات في المغرب 3 … الطاعون يفتك بأقوى ملوك السعديين

يحفل تاريخ المغرب بكثرة الأوبئة التي فتكت بآلاف المغاربة، وأثرت، خلال تلك الحقبة، بشكل كبير على البنية الديمغرافية للسكان، وشكلت رواسب نفسية في الذهنية الجماعية، مازالت حاضرة داخل المجتمع.
في مقال صدر في 1974، من الباحثين برنار روزنبرجي وحميد التريكي، معنون بـ”المجاعات والأوبئة في مغرب القرنين 16 و17″، تتم الإشارة إلى أن وباء الطاعون الأكثر شيوعا في المغرب، حيث يتردد كثيرا على ألسنة المغاربة عبر مختلف الحقب، إضافة إلى حمى التيفوئيد والجدري والسل والحصبة، فكيف واجه المغاربة هذه الجوائح؟

خالد العطاوي

فتك الطاعون بالسلطان أحمد المنصور الذهبي، الذي اعتبر أقوى ملوك الدولة السعدية، وأحد ملوك المغرب العظام وباني قصر البديع.
ولد أحمد المنصور بفاس في 956 هجرية، ونظرا لرمزية المكان فقد بويع في ساحة معركة وادي المخازن في 986 هجرية. ويعتبر عهده الذي دام حوالي 26 سنة من أزهى عهود الدولة السعدية وأكثرها رخاء وعلما وعمرانا وجاها وقوة، إذ تجمع الروايات التاريخية على أنه جمع بين العلم والمعرفة ورعى العلماء، وألف كتبا في فقه السياسة، من قبيل “كتاب المعارف في كل ما تحتاج إليه الخلائف”، والثاني كتاب “العود أحمد” وجمع في الأدعية المأثورة عن الرسول، فضلا عن حرصه على تولي أعباء الحكم، وكان يعرف أن قواته في التسعينات من القرن العاشر الهجري تكفي لحماية البلاد من أطماع الأتراك والبرتغاليين والإسبان.
لكن مشاريع السلطان سرعان ما دفنت في دواخله، بعد أن داهمه مرض الطاعون الذي فتك به، وحال دون طموحاته فمات في 1012 ، ودفن قرب مقصورة الجامع الأعظم بفاس الجديد، ثم نقل إلى مراكش ودفن في قبور الأشراف السعديين قبالة جامع المنصور بالقصبة، استنادا إلى وصيته التي أصر مشيعوه على تنفيذها.
وتجمع الروايات على أن الراحل ظل قبل وفاته أسير غرفته لا يلوي على شيء في ما يشبه انتظار وصول ملك الموت.
ويرى كثير من المؤرخين أن إصابة السلطان بمرض الطاعون الفتاك، ترجع لفتوحاته الخارجية وعلاقته مع البحارة وتردده على الموانئ، إذ كانت الجرذان تملأ المكان في زمن لم يكن فيه ذكر لنظام الصرف الصحي، في ظل شبكة العلاقات الخارجية لأحمد المنصور، سيما مع إنجلترا وفرنسا وهولندا. وانتبه أحد المؤرخين إلى غياب جهود مكافحة الطاعون الذي زحف على العالم في تلك الآونة، واعتبر غضبة إلهية، والحال أنه أول حرب بكترولوجية في التاريخ.
وكانت وفاة السلطان بالوباء الفتاك تكريسا للقدرية في التعامل مع الطاعون، الذي انتقل «عن طريق التنفس والعطاس والسعال البسيط من الإنسان إلى الآخر، ولكنه يحمل الموت في أيام قليلة”. ويؤكد المؤرخ الحسين مؤنس في كتابه “تاريخ المغرب وحضارته” هذه الواقعة، ويصر على أن ازدهار الدولة السعدية في عهد السلطان الراحل لم يكن كافيا للتصدي لأخطر وباء في تلك الحقبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى