fbpx
بانوراما

المقتدر بالله … وجهة رسالة الراهب

الجدال الديني في الإسلام 2

تمتعت سرقسطة في ظله بمكانة مميزة ومرموقة

ألصقت بالمجتمعات الإسلامية مجموعة من الأحكام المسبقة التي تكرس تعصب المسلمين لعقيدتهم ورفضهم للآخر، ويدحض الباحث الأكاديمي يونس إمغران، في كتاب «رسالة راهب فرنسا ورد القاضي الباجي عليها»، كل هذه المزاعم، من خلال تحليل رسالة الراهب الفرنسي الموجهة إلى المقتدر بالله، حاكم سرقسطة، الذي يدعوه فيها إلى اعتناق النصرانية، وكيف كان رد العالم الإسلامي عليها والمنهجية التي اعتمدها في إدارة الجدال مع راهب فرنسا. نقدم عبر حلقات مقتطفات من الكتاب، الذي صدر أخيرا، وكان موضوع بحث لنيل شهادة الماستر.
عبد الواحد كنفاوي
كانت سرقسطة، قبل سقوط الخلافة بالأندلس، تُعرف بولاية الثغر الأعلى، وتشمل هذه المنطقة جغرافيا مدينة سرقسطة وأعمالها “تطيلة” و”وشقة” و”بريشتر” و»ليريدة» و»طرغونة» وغيرها، أي معظم المنطقة الواسعة والخصبة التي يخترقها نهر «إبرو» من مصبه عند مدينة «طرطوشة»، حتى مدخله عند مدينة قلهرة في ولاية نافارا وهي منطقة واسعة جعلت سرقسطة أعظم ممالك الطوائف في الأندلس وأكثرها أهمية، زاد من قيمتها هذه، امتداد حدودها مع إمارات وممالك نصرانية عديدة في الشمال الإسباني، كإمارة برشلونة، ومملكتي نافارا وقشتالة، فكانت بمثابة الحصن الأمامي الذي تحتمي خلفه المدن الإسلامية في شرق الأندلس، فاستطاعت بذلك سرقسطة أن تحافظ على مكانتها باعتبارها عاصمة لمنطقة الثغر الأعلى في عصر الطوائف.
تعاقبت على حكم مملكة سرقسطة أسرتان؛ أولهما بنو تجيب التي ظهرت منذ نهاية القرن الثالث الهجري بقيادة زعيمها أبي يحيى محمد بن عبد الرحمن التجيبي المعروف بالأنقر (ت 300 ه). واستمرت هذه الأسرة في الحكم بين إظهار الطاعة لحكومة قرطبة تارة، والخروج عنها تارة أخرى. كما تميز تدبيرها للعلاقات مع جيرانها النصارى بحسن الجوار، والموادعة، الأمر الذي مكنها من صرف إمارة برشلونة ومملكة نافارا عن حربها والطمع في أراضيها أو أطرافها. واختلف مؤرخو ملوك الطوائف المسلمين في تحديد آخر أمراء الأسرة التجيبية، وخلطوا كثيرا في الأسماء، إلا أن عددا كبيرا منهم يميل إلى اعتبار يحيى بن المنذر الملقب بالحاجب معز الدولة هو آخر من حكم الثغر الأعلى، حيث اغتيل سنة 430 هجرية.
وكان عميدها قائدا مشهورا من قواد بني تجيب هو؛ سليمان بن محمد بن هود، حكم سرقسطة سنة 431 ه، ولقب بالمستعين وتميزت سنوات حكمه بالصراع المرير مع المأمون بن ذي النون حاكم طليطلة، وكانت المنطقة الواقعة بين الدولتين من ناحية الجنوب الغربي من دويلة سرقسطة، وناحية الشمال الشرقي من دويلة طليطلة، موضع الاحتكاك بين الطرفين، حيث دارت معارك دامية في سنة 436 هجرية وما بعدها من قوات الطرفين، وقد ألجأت هذه الحروب الطرفين إلى التحالف مع حكام الممالك الإسبانية لقاء الأموال الطائلة، ولم تخمد هذه الحروب الانتحارية إلا بعد وفاة ابن هود في سنة 438 هجرية. ومن سوء سياسة سليمان بن هود تقسيمه دويلة سرقسطة بين أولاده الخمسة الذين استقلوا بمدنهم فور وفاة أبيهم، ثم اندلع الصراع بينهم حتى تمكن أحمد حاكم مدينة سرقسطة والملقب بالمقتدر بالله التغلب على جميع إخوته باستثناء أخيه يوسف حاكم «لاردة».
أحداث مأساوية
شهد عهد المقتدر بالله أحداثا مأساوية، تمثلت في احتلال النورمانديين لمدينة بريشتر سنة 456 هجرية، حيث حاصروها لمدة أربعين يوما، ثم دخلوها، فاستباحوها ودمروا عمائرها واقترفوا في سكانها من المناكير ما لم يقترفه آدمي قبلهم، مما كان لهذه النكبة صدى عميق في جميع أنحاء الأندلس، الأمر الذي عجل بالعمل على استرجاعها وتطهيرها من دنس الغزاة، حيث سارت قوات المقتدر بالله في جمادى الأولى من سنة 457، فعلا، وتمكنت من تحرير المدينة بعد معركة شديدة هزم فيها النورمانديون.
وتميز المقتدر بالله خلال سنوات حكمه بمقدرة سياسية وعسكرية عالية، وتمتعت سرقسطة في ظله بمكانة مميزة ومرموقة، فكان بلاطه يضم كبار علماء عصره ومشاهيره في العلوم والفقه والآداب والفلسفة، بل كان المقتدر بالله نفسه شغوفا بدراسة الفلسفة والفلك والرياضيات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى