fbpx
بانوراما

يوميات درب مولاي الشريف 2 … كوميديا أبطالها جلادون

صلاح الوديع كان ينظم الشعر وآخرون الزجل أو الغناء والتنكيت

ذاكرة محمد فكري، أحد قيدومي مناضلي اليسار الجديد، تشبه مجلدا ضخما، بقي على الرفوف. كان قدر هذا المناضل الكتوم، الفاعل خارج منصات التناظر والخطابة، أن يعيش ويرافق، منذ بداية شبابه، جل محطات الانعطاف في تاريخ الحركة الوطنية التقدمية واليسارية.
“الصباح” فتحت سجل ذاكرة هذا المناضل شديد التواضع، والذي عاش على مدى أزيد من نصف قرن، شاهدا صموتا على تحولات كبرى في جسد اليسار التنظيمي، وفي خطه السياسي، وفي تجدد أجيال من مناضليه، من خلال حلقات يستعيد فيها بعض الشذرات المتفرقة من أيام وليالي درب مولاي الشريف، والتي تشكل مقدمة لكتابة مذكرات تعزز خزانة ما يعرف بـأدب السجون، وهي حلقات لا تخلو من حكي يمزج بين السخرية اللاذعة والإيمان القوي بالقضايا التي اعتنقها جيل من الشباب، وأدى في سبيلها ضريبة الاعتقال لسنوات، في مرحلة ما يعرف بسنوات الجمر والرصاص.
إعداد: برحو بوزياني

في الأيام الأولى، كان الجلادون يركزون في استنطاقهم على معرفة أسماء من لم يتم اعتقالهم من أعضاء التنظيم والمتعاطفين معه. ولهذا كان التعذيب قاسيا، سواء الجسدي بكافة أنواعه المعروفة وغير المعروفة، أو المعنوي. ورغم صمود أغلب الرفاق، فقد كان يسمع بين الحين والآخر، أنين البعض من شدة ألم التعذيب.
وأتذكر في أحد الأيام من بداية اعتقالنا، أنني سمعت أنين ألم رفيق أتوا به، بعد وجبة تعذيب قاسية، ليوضع في الممر قريبا من الغرفة التي أوجد بها، كنت أسمع أنينه الخافت، ولفت انتباهي كثرة الحركة حوله، فتيقنت أنه من الأشخاص المهمين المبحوث عنهم. اعتقدت أنه السرفاتي، وبعد حين، سمعت أحد الجلادين يناديه باسم عبد اللطيف زروال. هذه العملية تمت ليلا ولساعات محدودة، قبل أن يأخذوه ربما إلى مستشفى ابن سينا، بسبب خطورة وضعه الصحي.
في الوضع الذي كنا فيه، لم نكن نفرق بين الليل والنهار، فكل أوقاتنا كانت مظلمة، لا نرى ضوء الفجر أو شروق شمس الصباح، ولا نستطيع تمييز الخيط الأبيض من الخيط الأسود. محرومون من رؤية ضوء النهار وحتى ظلام الليل، فقد وضعوا على أعيننا خرقة قماش متسخة وأحكموا وثاقها، ولم يعلموا أن ضوء البصيرة أهم أحيانا، من ضوء البصر، وهذا ما عجزوا عن انتزاعه منا، رغم كل ما فعلوه بنا.
بسرعة، استطعنا التكيف مع وضعنا الجديد، وبدأنا في إيجاد وسائل للصمود والحفاظ على الذات، كان أهمها التمسك بالحياة وعدم فقدان الأمل، رغم قساوة الظروف، وهذا ما شد من أزر من تسرب الشك لنفسه، ما ساهم في رفع معنوياتنا، وحولنا ما نحن فيه إلى كوميديا أبطالها جلادون وحراس المسلخ، وكنا نحن المتفرجين. تم اختراع أسماء لحراس المسلخ، نعرفهم بها، من خلال أصواتهم، مثل “القوادة، نوض تبول، القرد، ، الجبلى، اعطي ليماه، الذيب، الفلاح، الفلوس، المثقف… الخ”.
كان الشعراء منا ينظمون الشعر، أمثال صلاح الوديع، عبد القادر الشاوي، وآخرون ينظمون الزجل، منهم عبد الله زعزاع، وربما يوجد رفاق آخرون لهم إسهاماتهم، إما في الغناء أو التنكيت، أو أي شيء يساهم في رفع منسوب جرعات الصمود. وهناك من أعطى كل جهد تفكيره للوضع السياسي، وكيفية خروج القوى التقدمية من أزمتها، والتفافها حول برنامج للإنقاذ وللثورة الوطنية الديمقراطية، مثل الرفيق المرحوم عبد السلام المودن.
كانت عملية التنسيق تتم بيننا بطرق مبتكرة، وكنا نعرف من ذهب للاستنطاق، حين نسمع صوت مشيته، كنا نميز مشية بعض الرفاق، أمثال المرحوم السرفاتي والمرحوم مداد مثلا.
وكنا نتحايل على الجلادين، ونتبادل الكلام، مستغلين فرصة انشغالهم أو غفلتهم، فيتكلف أحدنا بالحراسة، ويتبادل الباقي الحديث. كانت الأحاديث ذات شجون في هذا المكان، وقد تكلفت في إحدى المرات بمهمة الحراسة، وكنت أرى شبح الحارس وهو يقترب، من ثقب الخرقة التي وضعوها على عيني، وقد سببت لي هذه المهمة انتفاخا في العين دام عدة أيام.
في المعتقل، وجدنا من مكث هناك مدة طويلة، مثل الجعواني الذي اتهم بتهريب السلاح من الجزائر، سمعت عنه أنه كان شخصا قويا يخاف منه حراس المسلخ، وفرض عليهم إزالة “البانضة” على عينيه، والقيد من يديه، وخصصوا له زنزانة لوحده، هذا ما سمعت عنه، ولم يحصل لي شرف رؤيته أو التعرف عليه. سمعت عنه أنه يرفع معنويات المعتقلين ويحثهم على الصمود.
ومن بين من وجدناهم هناك، شقيق الجنرال أوفقير، وكان قائدا في إحدى مناطق شرق المغرب، واعتقل بعد فشل محاولة انقلاب شقيقه، كان شخصا مسنا هزيل الجسم ومعنوياته في الحضيض.
ومن بين من وجدناهم أيضا شخص يسمونه أولعيد، لا أعرف عنه أي شيء، هذا الشخص كان يساعد الحراس في توزيع الأكل على المحتجزين، وفي بقية الأعمال الأخرى، مثل تنقية العدس والفول من الحصى، وليس كله. هذا الإنسان كان طيبا، وأثناء توزيع الأكل كان يستغل الفرصة لتوصيل معلومة أو خبر في غفلة عن الحراس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى