fbpx
وطنية

القيادات الراديكالية تتمرد على غالي

مخاضات «بوليساريو» تحمل كل معالم النهاية بعد أن باتت بلا قيادة وتحولت إلى مجموعة متطاحنة

بقلم: الفاضل الرقيبي

يعيش سكان المخيمات على وقع ما تعرفه جبهة “بوليساريو”، اليوم، من صراعات داخلية تدفعها نحو النهاية، لتعيد إلى الواجهة سؤال المشروعية الذي يطارد القيادة بماضيها الموسوم بالقتل والتعذيب، ويضعها على الطرف النقيض مما يتطلع إليه الصحراويون بعد أربعة عقود من الجري وراء السراب.
لقد باتت قيادة الجبهة، بعد أن تآكل رصيدها، تجمعا مصالحيا يدافع فيه كل واحد من أعضائها عن حصته من الكعكة باستماتة. ولم يكن تولي إبراهيم غالي زمام الأمور في مخيمات تندوف، إلا لحظة أخرى أججت صراع الأجنحة، وعمقت إفلاس القيادة، بحكم ضعف باعه السياسي، وتربص المحيطين به، من قيادات الوزن الثقيل، من أمثال البشير مصطفى السيد، ومحمد لمين البوهالي، بالإضافة إلى مصطفى سيد البشير، وعبد الله البلال، الذين أصبحوا يشكلون تهديدا حقيقيا على بقائه في زعامة “بوليساريو”، بعد أن كان للبعض منهم الفضل في موافقة الجزائر عليه لخلافة محمد عبد العزيز.
أثار البشير مصطفى السيد، بمقاله النقدي على صفحات جريدة إلكترونية، الكثير من الجدل بين الصحراويين، لما حمله من إشارات تنم عن تفكك عميق في صفوف القيادة، فليس من العادة أن يخرج “لبيشير” بمقال يطالب فيه قيادة الجبهة بالاستقالة الجماعية، معللا ذلك بالفشل الذريع الحاصل في كل مفاصل التنظيم، وعجزه عن فرض ما أسماه “الانضباط العام”، إلا إذا كان الأمر أكبر من مطالبات كان أهون عليه تمريرها عبر هياكل الجبهة، التي يشكل أحد المؤثرين في قرارها الداخلي. رسالة “لبيشير” لإبراهيم غالي لم تأت نتيجة لتقييم أداء التنظيم، بل جاءت ردة فعل على رفض غالي تعيينه خلفا لمحمد خداد على رأس العلاقات الخارجية للجبهة والتنسيق مع “مينورسو”، وهي تعتبر بذلك مؤشرا دالا على نزوات شخصية باتت تغذي روح التنازع السائد داخل مفاصل الجبهة، وتجعل المصلحة الذاتية فوق كل الشعارات التي يتغنى بها أعضاء القيادة في المؤتمرات.
يدرك إبراهيم غالي أن” لبيشير” دخل في حربه ضده مسنودا من قبل ولد البوهالي (وزير الدفاع السابق)، والمكلف بلواء الاحتياط، الذي يقوم بتأمين عصابات تهريب المخدرات والسلاح والمحروقات بمنطقة الساحل، تحت الإشراف المباشر لضباط جزائريين من القطاع العملياتي لتندوف .وقد جاء دعم ولد البوهالي لـ “لبيشير” لقطع الطريق على محمد يسلم بيسط، بعد تسرب أنباء عن نية إبراهيم غالي تسخير إبراهيم أحمد محمود بيد الله، الملقب بـ “كريكاو”، بمحاولة إقناع جنرالات الجزائر بتعيين بيسط لخلافة خداد، وهو ما اعتبره ولد البوهالي التفافا على حق جيل التأسيس في السيطرة على كل المناصب الحساسة في إدارة “بوليساريو”، إذ لم يتردد في الدخول في ملاسنات مع إبراهيم غالي، خلال اجتماع مكتب أمانة الجبهة، الأسبوع الماضي، عند إثارة موضوع خلافة امحمد خداد.
الصراع على المناصب احتدم أكثر بعد أن التحق مصطفى سيد البشير، الجلاد المكلف بالداخلية، بصفوف الغاضبين على إبراهيم غالي، بعد سنوات من الخدمة الطيعة له، فقد هدد بمقاطعة اجتماعات أمانة “بوليساريو”، إذا ما استمر غالي في احتكار التعيينات، وعدم مشاورة رفاقه، خصوصا في ما يتعلق بمناصب حساسة، كمهمة العلاقات الخارجية، والتنسيق مع “مينورسو”.
ويعد خروج مصطفى سيد البشير من عباءة غالي، وانضمامه لكتيبة التصدي ضده، تحولا يحمل الكثير من التفسيرات، لعل أقربها للمنطق فشل غالي في الحفاظ على مربعه الضيق بسبب حبه الانفراد بالسلطة. أما عبد الله البلال، الذي أطاح به إبراهيم غالي في مؤامرة حفظ التوازنات، وتقاسم ريع المناصب في مرحلة ما بعد المؤتمر، والذي كان يتحين الفرصة لرد الصاع صاعين لخصمه، فقد وجد في كتلة التصدي هذه فرصة من أجل الضغط على غالي، ومحاولة إخضاعه لهم، خصوصا بعد أن أحاط نفسه ببني عمومته من “رقيبات الساحل”، وأزاح العديد من “رقيبات الشرق”، الذين تضرروا كثيرا من تعييناته الأخيرة.
آخر مظاهر الإفلاس كان” بيان أمانة التنظيم”، الذي دبجه ولد أدوه كخاطرة من خواطر البادية، وشحنه بلغة عاطفية عنيفة، يحاول من خلالها تحويل أنظار الصحراويين عن إخفاقات قيادة الخراب، مستعينا في ذلك بمعاجم التخوين ضد كل المنتقدين لها. وأثار هذا البيان موجة واسعة من السخرية بين الصحراويين، نظرا للغته المنفصلة تماما عن انشغالات سكان المخيمات، وما اعتبره البعض دليل إدانة في حق الجبهة، التي لا تؤمن بالاختلاف، وتسعى إلى إجهاض أي صوت حر قد يعري سوءاتها على رؤوس الأشهاد.
يُظهر حاضر جبهة “بوليساريو” أن التنظيم بات بلا قيادة تتقاسم التصور والأهداف، وتحول إلى مجموعة متطاحنة، يدافع فيها كل عضو عن مصالحه باستماتة وأنانية، وصلت حد أن يجاهر أحدهم بمعارضته لزعيمه بل ومطالبته بالاستقالة، في سابقة لم يعتدها سكان المخيم في تاريخ هذه الحركة .لا شك أن مخاضات الجبهة تحمل كل معالم النهاية، وهي التي لا تكاد تقوم من أزمة، إلا ووجدت نفسها غارقة في أخرى أعمق منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى