منبر

عصيد: الأخـلاق لا ديـن لهـا

عصيد قال إن سؤال الأخلاق طرحه الفلاسفة وليس الفقهاء

قال أحمد عصيد إن الكثير من المسلمين يعتقدون أن الدين هو المجال الوحيد الذي يؤطر الأخلاق، في الوقت الذي يتبين أن منظومة الأخلاق أعم وأكبر من الأديان، لأنها نتاج مساهمة الإنسانية فيها عبر التاريخ. كما تحدث عن مواضيع أخرى تجدونها في الحوار التالي.

< هل هناك علاقة لازمة وسببية بين الأخلاق والدين؟
< هذه الفكرة التي ترسخت في أذهان المسلمين جاءت من الفكر الفقهي الذي تأسس منذ أكثر من 12 قرنا، والذي اعتبر أن الإسلام منظومة شمولية تجيب عن كل الأسئلة وتتعلق بكل مناحي الحياة، بما في ذلك المجال الأخلاقي، فأصبح المسلمون يعتقدون أن الدين هو الذي يؤطر المجال الأخلاقي ويمثل الفضيلة وأن السلوك طبقا للدين هو منتهى الفضيلة، واستعملوا دائما الحديث النبوي "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" وهذا معناه أن الحديث يعترف أن هناك مكارم أخلاق قبل الإسلام، وأنه جاء ليتممها، لكن الفكر الفقهي لم يذهب في هذا الاتجاه بل أصبح يرى أن هناك منظومة أخلاقية مكتملة، وهذا هو الخطأ الذي كان ينبغي تصحيحه منذ البداية.

< ألم يتم تصحيحه فعلا؟
< التصحيح كان من قبل فرقة من المتكلمين وهي "المعتزلة" فهم الأوائل الذين تنبهوا إلى هذا المشكل فقالوا وفق مبدئهم "العقل قبل ورود الشرع" وقالوا إن الأخلاق هي معرفة الخير وتمييزه عن الشر، وأن هذا يعرف بالعقل ولا ينتظر أن يأتي الشرع ليحدده، بل العقل قبل الشرع هو الذي يحدد ما هو حسن وما هو قبيح، وهذا هو معنى الفضيلة الحقيقي، كما ترسخ في الثقافة الإنسانية، ويمثلون المعنى الحقيقي للأخلاق والفضيلة، لكن الفكر الفقهي الأشعري قضى على المعتزلة، وخلفاء المسلمين أبادوهم بالقتل والتعذيب والاعتقال لدرجة أن أثرهم انقرض للأسف، وأصبح الأشاعرة هم المؤطرين للمنظومة العقدية الإسلامية إلى اليوم وهذا من أسباب تخلف المسلمين بتكريسهم للفكر الأشعري عوض المعتزلي، لأن الفكر الأشعري السني تفكير مضاد للتنمية والعلم والإبداع.

< ما الذي فقدناه بانقراض المعتزلة؟
< فقدنا المعنى الحقيقي للفضيلة، وهي أن الفضيلة هي أخلاق الواجب والواجب يتعلق بالعقل، أي أن تفعل الخير من أجل الخير وليس من أجل انتظار الثواب والجنة، أو تتجنب الشر لذاته وليس من أجل الخوف من النار والعقاب، ومن أجل الإنسان والخير، هذه القيمة فقدناها، لهذا نجد المجتمع المغربي متخلفا ومنحطا أخلاقيا، لأنه يربي أبناءه على أن لا يفعلوا الخير إلا انتظارا للجزاء وتجنب الشر خوفا من العقاب، فأنت لا تقف عند الضوء الأحمر إلا إذا كان الشرطي واقفا، وهذا هو الفرق بين أخلاق الواجب والفضيلة، والأخلاق الدينية المبنية على النفاق الاجتماعي والانتهازية فتجد عموم المغاربة والمسلمين انتهازيين.

< ما هو الدليل على أن الأخلاق ليست دينية؟
< الدليل هو أن سؤال الأخلاق عموما طرحه عبر التاريخ الفلاسفة وليس الفقهاء أو رجال الدين ، وليست هناك مؤلفات حول إشكالية الأخلاق عند رجال الدين، ولكنها موجودة عند الفلاسفة، وأقدم كتاب في الأخلاق منذ ألفي وخمسمائة سنة، هو كتاب "الأخلاق إلى نيقوماخوس" لأرسطو، الذي تناول الإشكالية الفلسفية للأخلاق والعقل الأخلاقي، ثم ابن مسكويه في الحضارة الإسلامية، وليس الفقهاء، ثم نجد كانط في الفلسفة الألمانية الحديثة، وبعده نيتشه في كتاب "ما وراء الخير والشر" وصولا إلى الفترة المعاصرة، وهذا معناه أن الأخلاق أعم من الدين ومجال أوسع ويتعلق بكيفية التعامل مع الآخر انطلاقا من وعينا وعقلنا، وليس انطلاقا من عقيدتنا.

< كيف ذلك؟
< لأن الانطلاق من العقيدة في معاملة الآخر لم تنتج عنه الأخلاق، بل العكس نتج عنه سوء الأدب، فأنت تحتقر النصراني أو اليهودي أو البهائي فتعامله معاملة سيئة لأنك تعتقد أن الإسلام أفضل الأديان، فهنا أصبحت شخصا غير فاضل وغير متخلق بسبب عقيدتك، وتعتقد أنه لا يمكن احترام الآخر إلا إذا كان موافقا لك في العقيدة، ولهذا فإن كل الأحاديث التي فيها "أخيك" فسرت على أنه المقصود بها "المسلم"، ودرس التربية الإسلامية في المغرب إلى الآن، للأسف، يشيع هذا النوع من الثقافة، إذ يتحدث عن التسامح مع أخيك المسلم واحترام أخيك المسلم والتشارك مع أخيك المسلم، بينما غير المسلم مبعد كليا.
بمعنى أن احترام الآخر قيمة لا توجد عند المسلمين، لسوء فهمهم لمعنى الأخلاق، وسأعطي مثالا لنص ديني إذا استعملته تصبح شخصا غير متخلق، وهو الحديث المروي في "صحيح مسلم" والذي يقول "لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه" فهل هذه أخلاق؟

< نحن إذن أمام مفارقة وهي أن الأديان تتضمن تعاليم وأحكاما وأقوالا منافية للقيم والمفاهيم الأخلاقية والإنسانية بمعناها الكوني؟
< لأن الأخلاق لا يجب أن تنطلق من العقيدة، بل من العقل ومن مبادئه، أي مبادئ الفضيلة وليس العقيدة، لأن العقيدة تمييزية فأنت تميز نفسك عن الآخرين، عندما تنطلق من العقيدة وتعاملهم معاملة ليست هي المعاملة المطلوبة، ففكرة المواطنة اليوم تتجاوز الأديان، وتبرهن أن الأخلاق لا دين لها، وأنه لسنا بحاجة إلى الدين بالضرورة لنفهم الفضيلة أو نتعامل بها.

< صنفت دراسة غربية، أخيرا، المغرب ضمن الرتبة الأولى عالميا في انعدام الأمانة كيف يمكن قراءة هذه النتيجة؟
< إذا قمت بدراسة على أخلاق المغاربة انطلاقا من المعايير الدينية، سيقدمون أنفسهم على أنهم الأفضل في الأخلاق عالميا. ما حدث في هذه الدراسة هو أن المعايير المعتمدة في معرفة الأخلاق ليست دينية، بل هي معايير كونية ولهذا أصبحنا متأخرين، والذي حدث للمجتمعات الإسلامية هو أنها انغلقت على نفسها مدة طويلة حتى أصبحت تعتقد نفسها الأفضل، لأن المجموعة التي تنغلق دائما تعتقد أنها النموذج الوحيد الجيد أو المثالي، بينما عندما تنفتح تجد أن هناك من هو أفضل منك، وتحاول أن تحاكيه أو تصل إليه، فعندما انفتح المسلمون وجدوا أن الغرب تقدم عليهم، فلم يتقبلوا هاته المسألة، فقالوا كيف يكون الغرب أفضل منا ونحن مسلمون وسندخل الجنة، وهم سيدخلون النار، فالفقهاء الذين كانوا يؤطرون المجتمعات الإسلامية لم يفهموا التطور الأوربي والغربي، بناء على العقل والعلم وحب الإنسان، لم يفهموا هذا ولم يرضوا أن يتقبلوا أن دينهم أصبح متجاوزا قانونيا واقتصاديا وأخلاقيا وسياسيا، وهذا هو سبب ظهور الإسلام السياسي الذي هو رد فعل على الدولة الحديثة ورفض لها، ومحاولة للعودة إلى الدولة الدينية رغم فشلها، إذن فالعقل الإسلامي ممانع ضد التطور وضد النهضة، وهذا يفسر لماذا بقيت هذه المجتمعات متخلفة، بينما هناك دول صاعدة مثل رواندا وإثيوبيا وبوتسوانا وسنغافورة وكوريا الجنوبية، رغم أنها كانت في مستوانا نفسه خلال الستينات والسبعينات، إلا أنها لم تجد عائقا للتطور، نحن لدينا عائق فكري وعائق نفسي وذهني يمنعنا من التطور، لأننا لا ننفتح على العالم لنعرف موقعنا الحقيقي. ننطلق فقط من منظومتنا المغلقة ونعتقد أننا في أحسن حال.

أجرى الحوار: عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق