منبر

الدين والأخلاق … جدلية الأصل والفرع

البعض يعتبر الإسلام منبعهما وآخرون يرفعون شعار “ليس كل مسلم خلوقا”

ما يزال سؤال هل الأخلاق سابقة للدين أو العكس، مطروحة بقوة في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، إذ لم يقم سكان هذه البقعة من الأرض بتحديد موقفهم بعد، وتوضيح الحدود الفاصلة بين الأخلاق والدين خاصة الإسلام، فما زال هناك خلط كبير في المسألة، إذ هناك من يعتبر أن الإسلام هو المصدر الوحيد للأخلاق والقيم النبيلة، ولا يمكن استشراف المستقبل وتحسين أوضاع الحاضر، إلا عبر التحلي بالأخلاق الإسلامية، فيما يرى فريق آخر أن الإسلام سوق حرة، تضم أخلاقا راقية، كما تعرض فيها أفكار مسمومة لا تمت للقيم بصلة.
أصحاب الرأي الأول، يعتقدون أن قبل الإسلام، لم تكن هناك أخلاق في الأصل، بل كان الإنسان يعيش في الجاهلية، وفي سياق لا يحتكم للقيم، ويقدمون أمثلة على ذلك من قبيل إباحة القتل ووأد البنات وغيرهما، وهي معطيات مستقاة من التراث الإسلام الفقهي، الذي لا ينضبط في معظمه إلى المناهج العلمية والتاريخية، وهو ما يدفع هذه الفئة إلى التشبث بالإسلام على اعتبار أنه وثيقة أخلاقية، من أجل بناء المنطلقات والأحكام المواقف.
وأما بالنسبة إلى أنصار التيار الحداثي، فيربطون الأخلاق بالإنسانية والمواثيق الدولية والكونية، التي ساهمت فيها جميع الحضارات، ويعتبرونها منتوجا إنسانيا قبل أن تكون إرشادا إلهيا، كما يعتقدون أنه من غير المعقول حصر الأخلاق في منظومة الأديان، أو في الإسلام على وجه الخصوص، خاصة بعدما فشلت البلدان الإسلامية في إعطاء النموذج في الأخلاق، إذ ما تزال هذه المجتمعات تسجل مستويات عالية، في ممارسات غير أخلاقية أو إنسانية، من قبيل المعاملات اليومية، أو الاقتتال والإرهاب، بالإضافة إلى تسجيل نسب عالية في التحرش الجنسي والاغتصاب، وكذا النفاق الاجتماعي وانعدام عنصر الثقة بين أفراد المجتمع الواحد.
ويرى أنصار التيار الحداثي، أنه من غير السليم ربط الأخلاق بالإسلام، فبالإضافة إلى أن هذه المنظومة العقائدية، لا تشجع على التعايش بين الأديان والمجتمعات، وتشجع على التفرقة على أساس الدين، وتعترف بتفوق المسلمين على باقي المؤمنين، وكذا النقاط التي تسجل حول علاقة الرجل بالمرأة، والتي تعطي التفوق للرجل أكثر، من قبيل إباحة التعدد والقوامة وغيرها، فإنهم يعتقدون أن الأخلاق لا يجب أن ترتبط بالجزاء، كما هو في الإسلام، الذي يغري الشخص الخلوق بالجنة.
خلاصة القول إن علاقة الأخلاق بالدين، ما تزال ملتبسة في الدول العربية والإسلامية، خاصة في ظل تقوقع كل فريق حول آرائه، وعدم السعي نحو إيجاد نقطة التقاء، وحسم المسألة، وجعلها محط إجماع وطني، كما هو الأمر في بلدان أخرى.

عصام الناصيري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق