خاص

اتفاقيات التبادل الحر … النزيف

واردات تستنزف 151 مليار درهم وعجز بنيوي في الميزان التجاري

وقع المغرب، منذ 1996، أزيد من 56 اتفاقية تبادل حر، أسفرت عن تسجيل عجز تجاري لفائدة البلدان التي وقعت معها هذه الاتفاقيات. وسجل عجز الميزان التجاري تفاقما، خلال عشر سنوات الأخيرة، إذ تضاعف بخمس مرات بالمقارنة مع مستواه، وأصبح يمثل 26 في المائة من الحجم الإجمالي للصادرات. وعرفت واردات المغرب في إطار اتفاقيات التبادل الحر ارتفاعا ملحوظا، إذ وصلت، حسب التقرير الأخير لمكتب الصرف حول التجارة الخارجية، إلى 151 مليارا و 700 مليون درهم، خلال 2018، مسجلة ارتفاعا بنسبة 5.4 في المائة، وعرف حجم الواردات ارتفاعا متواصلا مع تعدد اتفاقيات التبادل الحر التي تم توقيعها حتى الآن. وقرر مولاي حفيظ العلمي، أخيرا، مراجعة مقتضيات اتفاقية التبادل الحر مع تركيا، مشيرا إلى أن العجز التجاري لفائدتها تفاقم، فهل مشكل العجز التجاري مرتبط بتركيا أم يهم جل اتفاقيات التبادل الحر التي تم توقيعها؟ وهل المراجعة ستقتصر على تركيا أم ستمتد إلى مختلف الاتفاقيات؟
إنجاز: عبد الواحد كنفاوي

تفاقم العجز وتراجع حصة السوق

المبادلات التجارية تصب في مصلحة الشركاء

اعتمد المغرب سياسة الانفتاح الاقتصادي منذ الثمانينات في إطار سياسة التقويم الهيكلي، التي كان البنك الدولي من مهندسيها الرئيسيين. واختير المغرب لاستضافة مفاوضات تحرير التجارة العالمية، إذ احتضنت مراكش، في 1994، مراسم التوقيع على اتفاقية “الغات”، التي بموجبها أنشئت منظمة التجارة العالمية. وعمد المغرب إلى توقيع عدد من اتفاقيات التبادل الحر في إطار العلاقات الثنائية أو الاتفاقيات متعددة الأطراف أو من خلال اتفاقيات مع مجموعات اقتصادية، على غرار اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوربي.
وهكذا وقع المغرب اتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوربي، خلال فبراير 1996، تلتها اتفاقية للتبادل الحر مع دول الجمعية الأوربية للتبادل الحر، في يونيو 1997، ثم اتفاقية للتبادل الحر مع الإمارات العربية المتحدة، في يونيو 2001، ومع الولايات المتحدة الأمريكية في يونيو 2004 تم توسيع نطاقها في يناير 2006، وخلال الفترة ذاتها وقع المغرب اتفاقية للتبادل الحر مع تركيا، إضافة إلى اتفاقية أكادير، خلال 2004، التي أنشأت منطقة للتبادل الحر بين المغرب وتونس ومصر والأردن.
ورغم أن هذه الاتفاقيات مكنت المغرب من الولوج إلى أسواق تضم أزيد من مليار مستهلك يتوفرون على أعلى قدرة شرائية في العالم، فإنه سجل، بعد دخولها حيز التنفيذ، تدهور متواصل للتوازنات التجارية الخارجية للمغرب بعد تعدد اتفاقيات التبادل الحر التي وقعها المغرب مع مجموعة بلدان أو بشكل ثنائي مع الخارج، بسبب الارتفاع الملحوظ لحجم وقيمة الواردات من هذه البلدان بوتيرة أسرع من نمو الصادرات المغربية نحوها. كما أن حصة المغرب من السوق في التجارة الدولية، التي تعتبر مؤشرا دالا من مؤشرات التنافسية، سجلت تراجعا، إذ تقلصت من 0.13 %، خلال التسعينات، إلى 0.11 حاليا. في وقت حسنت بلدان منافسة، مثل تركيا ومصر، خلال الفترة ذاتها، حصتها إذ ارتفعت حصة مصر من 0.08 % إلى 0.17، وارتفعت حصة تركيا من 0.4 % إلى 0.7.
ولا تتجاوز صادرات المغرب في إطار اتفاقيات التبادل الحر 40 %، في المتوسط، من إجمالي الصادرات، ما يعني أن هناك فرصا كبيرة لا يتمكن المغرب من استغلالها.

المغرب ـ الاتحاد الأوربي
يعتبر الاتحاد الأوربي الشريك الاقتصادي والتجاري الأول للمغرب بحجم مبادلات تجارية تجاوز، خلال 2018، 443 مليار درهم، حسب معطيات مكتب الصرف. وتتوزع هذه المبادلات بين الواردات من بلدان الاتحاد بقيمة 260 مليارا و 776 مليون درهم، ما يمثل 54.2 % من إجمالي الواردات المغربية، وتصل صادرات المغرب نحو هذه البلدان إلى 182 مليار درهم، ما يمثل 66.3 في المائة من إجمالي الصادرات المغربية.
ويتضح من خلال مقارنة واردات المغرب من بلدان الاتحاد الأوربي وصادراته نحوها، أن هناك عجزا لفائدتها بقيمة تتجاوز ٧٨ مليار درهم.
وتشير معطيات مكتب الصرف إلى أن صادرات المغرب نحو الاتحاد الأوربي انتقلت من 127 مليارا و 175 مليون درهم، خلال 2014، إلى 182 مليارا و 543 مليون درهم، في متم نهاية 2018، بزيادة بقيمة 55 مليارا و 368 مليون درهم، بالمقابل انتقلت الواردات من الاتحاد الأوربي، خلال الفترة ذاتها، من 201 مليار و 132 مليون درهم إلى 260 مليارا و776 مليون درهم، بزيادة بقيمة 59 مليارا و 644 مليون درهم.

المغرب ـ الولايات المتحدة الأمريكية
عرفت المبادلات التجارية بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية ارتفاعا متواصلا بعد التوقيع على اتفاقيات التبادل الحر بين الطرفين. وانتقلت واردات المغرب من الولايات المتحدة الأمريكية، حسب معطيات مكتب الصرف، من 9 ملايير و 746 مليون درهم، خلال 2016، أي بعد سنوات من توقيع الاتفاقية، إلى 17 مليارا، خلال 2018، بزيادة بقيمة 6 ملايير و 920 مليون درهم.
بالمقابل، ارتفعت صادرات المغرب نحو الولايات المتحدة الأمريكية، خلال الفترة ذاتها، من 7 ملايير و 794 مليون درهم إلى 12 مليارا و941 مليون درهم، بزيادة بقيمة 5 ملايير و147 مليون درهم. وبالعودة إلى إجمالي المعاملات، بما في ذلك المنتوجات غير المشمولة بالاتفاقية بين البلدين، سنجد أن الواردات من الولايات المتحدة الأمريكية انتقلت، من 26 مليارا، خلال 2016، إلى 38 مليارا و 203 ملايين درهم، في حين ارتفعت الصادرات المغربية نحو هذا البلد، خلال الفترة ذاتها، من 7 ملايير و794 مليونا إلى 12 مليارا و 941 مليون درهم، وهكذا فإن المبادلات بين البلدين تصب في مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية، إذ انتقل العجز التجاري بين الطرفين من 18 مليارا و 218 مليون درهم، خلال 2016، إلى 25 مليارا و 262 مليون درهم، مع متم 2018.

المغرب ـ تركيا
وقع المغرب اتفاقية التبادل الحر مع تركيا، خلال 2006، وعرفت واردات المغرب من هذا البلد ارتفاعا متواصلا، منذ ذلك الحين، وارتفعت وتيرة الصادرات التركية نحو المغرب، في إطار اتفاقيات التبادل الحر بشكل ملحوظ، خلال ست سنوات الأخيرة، إذ انتقلت من 7 ملايير و 796 مليون درهم إلى 15 مليارا و 500 مليون درهم، أي تضاعفت بأكثر من مرتين. وارتفعت الصادرات التركية الإجمالية، بما في ذلك المنتوجات التي لا تشملها اتفاقيات التبادل الحر، من 14 مليارا و 445 مليون درهم، خلال 2014، إلى 21 مليارا و 527 مليون درهم، بزيادة بقيمة 7 ملايير درهم، خلال خمس سنوات.
بالمقابل ارتفعت الصادرات الإجمالية للمغرب نحو تركيا، خلال الفترة ذاتها، من 4 ملايير و 593 مليون درهم إلى 5 ملايير و 540 مليون درهم، أي بزيادة بقيمة 947 مليون درهم. ويتضح أن المبادلات بين البلدين تصب في مصلحة الطرف التركي، إذ ارتفع العجز التجاري لفائدة تركيا من 9 ملايير و 852، خلال 2014، إلى 15 مليارا و 987 مليون درهم.

اتفاقية أكادير
تم توقيع اتفاقية أكادير في 8 ماي 2001، بهدف إقامة منطقة للتبادل الحر تضم الدول العربية المتوسطية، وقعتها أربع دول وهي المغرب وتونس ومصر والأردن، قبل أن تنضم إليها فلسطين ولبنان، من أجل التحرير الشامل للتجارة الخارجية بين الدول الأعضاء وتشجيع الاستثمار الداخلي والخارجي وتحقيق التكامل الاقتصادي في ما بينها (جنوب – جنوب) من جهة، وتطوير التجارة والشراكة الاقتصادية مع جيرانها الأوربيين في الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط، من جهة أخرى.
ويتضح من خلال المعطيات المتوفرة حول مبادلات المغرب في إطار هذه الاتفاقية، أن الميزان التجاري يسجل عجزا إجماليا بقيمة 5 ملايير درهم، لفائدة البلدان الموقعة على الاتفاقية.

انفتاح دون إعداد
تؤكد معطيات مكتب الصرف حول المبادلات الخارجية أن المغرب يسجل عجزا تجاريا مع مختلف البلدان التي وقع معها اتفاقيات للتبادل الحر. وأكدت دراسة أنجزها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، حول موضوع “تجانس السياسات القطاعية واتفاقيات التبادل الحر” في إطار مسطرة الإحالة الذاتية، أن 32 في المائة من القيمة الإجمالية لعجز الميزان التجاري مردها إلى هذه الاتفاقيات.
وأشارت الدراسة إلى أن حصة المغرب من السوق العالمي سجلت تراجعا، في الوقت الذي سجلت بلدان، مثل مصر وتركيا تحسنا على صعيد حصتها في الأسواق العالمية.
وأرجع خبراء ومحللون أسباب هذا التدهور إلى أن عددا من الاتفاقيات وقعت دون أن تسبقها دراسة لانعكاساتها على القطاعات المعنية.
وأكد المعهد الملكي للدراسات الإستراتيجية في دراسة حول اتفاقيات التبادل الحر أنه باستثناء الأردن والجمعية الأوربية للتبادل الحر (AELE)، فإن الميزان التجاري سجل تفاقما في العجز لفائدة جل الشركاء الذين وقع معهم المغرب اتفاقيات للتبادل الحر، ما انعكس على ميزان الأداءات. وطالبت الدراسة بضرورة تقييم مختلف الاتفاقيات، من أجل تصحيح الانعكاسات السلبية على التوازنات الخارجية للمغرب.
إذ أن جل هذه الاتفاقيات وقعت دون إنجاز دراسة أثرها أو إشراك الفاعلين الاقتصاديين في المفاوضات، على غرار البلدان الأخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق