بقلم: رحمة الجوهري * في سياق انفتاح الجامعة المغربية على محيطها المؤسسي والدستوري، احتضنت كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية، درسًا أكاديميًا ألقاه الدكتور إبراهيم بن به، الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات، تحت عنوان: "الوظيفة العقابية للمحاكم المالية بالمغرب». وقد عرفت هذه الجلسة العلمية حضور نخبة من الأساتذة الجامعيين، وقضاة ووكلاء ورؤساء المحاكم المالية، إلى جانب باحثين من مختلف الأسلاك الجامعية، ضمنهم طلبة إجازة التميز، وماستر القانون العام وماستر التميز، فضلًا عن طلبة الدكتوراه في القانون العام. استُهل اللقاء بكلمة تأطيرية ألقاها الدكتور عمر الشرقاوي، الذي تولى تسيير الجلسة، حيث أبرز القيمة المعرفية والشخصية للمحاضر، معتبرًا إياه من الكفاءات النادرة التي جمعت بين العمق الفقهي والممارسة القضائية، حيث راكم تجربة مهنية تمتد لأزيد من ثلاثة عقود في مجال القانون المالي، مؤكّدًا أن الحاضرين على موعد مع "وجبة دسمة" من المعارف القانونية المتخصصة. أما الدكتور سعيد خمري، مدير مختبر القانون العام وحقوق الإنسان، فقد أكّد في كلمته أن هذا اللقاء يندرج في إطار سياسة الانفتاح الأكاديمي على المؤسسات الدستورية، مشيرًا إلى أن الدكتور بن به هو خريج هذه المؤسسة الجامعية، وهو اليوم يعود إليها في موقع العطاء العلمي والتأطير الأكاديمي ولإغناء طلبتها بمعارفه وخبراته. ركز الدكتور إبراهيم بن به في عرضه على إبراز خصوصية المحاكم المالية المغربية، من حيث ثنائية الوظائف والاختصاصات التي تجمع بين الجانب القضائي والرقابي، وبين الطابع الزجري والبيداغوجي. واعتبر أن الانفتاح على الجامعة يمثل أحد أوجه التوجهات الحديثة لأجهزة الرقابة المالية، بما يعزز أدوارها في تدبير وحكامة المالية العمومية. وأوضح المتدخل أن القضاء المالي هو تجسيد لتطبيق القوانين ذات الصلة بالمالية العامة، حيث خصصت له محاكم مستقلة بموجب الفصل 147 من دستور 2011، تمارس مهامها وفق مبادئ الشفافية والمحاسبة والحكامة الجيدة. كما قدم عرضا تاريخيا لأهم محطات تطور مؤسسة المجلس الأعلى للحسابات، بدءًا من تأسيسه سنة 1979، ومرورًا بإحداث المجالس الجهوية سنة 1996، وصولًا إلى توسيع صلاحياته بموجب دستور 2011، مما جعل منه جهازًا مركزيًا فاعلًا في المشهد الرقابي المغربي. الوظيفة العقابية وآلياتها المؤسسية أثناء حديثه عن محور الوظيفة العقابية، سلط الدكتور بن به الضوء على طبيعة العقوبات التي تصدرها المحاكم المالية، والتي تتميز بثنائية جلية بين العقوبات الزجرية من جهة، والعقوبات التعويضية (جبر الضرر) من جهة ثانية. وقد قُدمت نظرة تحليلية دقيقة حول نظام المسؤولية في تدبير المال العام، من خلال استعراض أنواع المسؤوليات التقليدية (السياسية، المدنية، الجنائية، والتأديبية)، مع التوقف عند ما يُعرف بـ "المسؤولية التدبيرية" الخاصة بالمحاكم المالية، التي تجمع بين المساءلة القضائية والرقابة التقنية على حسن صرف المال العام. خصائص إجرائية وإحصاءات رسمية أبرز المحاضر أن إصدار العقوبات يتم عبر مساطر متعددة، منها الدعوى التلقائية، أو بناءً على إحالات ذات طابع ادعائي، أو ضمن مساطر مختلطة، مع التأكيد على ضمانات المحاكمة العادلة من قبيل التحقيق، التواجهية، والتداول. وفي هذا السياق، تم تقديم معطيات إحصائية مهمة، ضمنها 3951 حكما وقرارا نهائيًا صُدرت في مادة التدقيق والبث في الحسابات، و86 قرارا وحكمًا في مجال التأديب المالي، 132 ملفًا تمت إحالتها على القضاء الجنائي منذ دخول مدونة المحاكم المالية حيز التنفيذ. وفي ختام عرضه، شدد الوكيل العام للمجلس الأعلى للحسابات على أن وظيفة المحاكم المالية لا تقتصر على الردع، بل تشمل أيضًا أدوارًا وقائية وتكوينية، عبر نشر الثقافة القانونية المالية وتثمين ملاحظات وتوصيات أجهزة الرقابة. كما أكد على أهمية اعتماد مقاربات استشرافية، تأخذ بعين الاعتبار خريطة مخاطر الفساد عند إعداد البرامج الرقابية. وفي ما يخص المسؤول المعاقب، فقد تم التأكيد على معيار الصفة الوظيفية، بوصفه أساسًا قانونيًا لتحديد المسؤولية، في تقاطع مع المسؤولية الجنائية والمساءلة أمام الأجهزة العليا للرقابة، وفقا لما تنص عليه المواثيق الدولية (إعلان ليما، معايير الإنتوساي . تجدر الإشارة إلى أن هذا الدرس يأتي ضمن سلسلة مبادرات أكاديمية تهدف إلى ترسيخ جسور التواصل بين الجامعة ومؤسسات الرقابة الدستورية، بما يسهم في تعميق الوعي القانوني لدى الباحثين، ويدعم تكوين جيل جديد من الكفاءات المتخصصة في الرقابة المالية والمحاسبة العمومية. * صحافية باحثة في سلك ماستر التميز